الايمان الفعال والايمان الغيبي

 

مقدمة

للاسف تعتمد المدارس الدينية التقليدية طريقة صب معتقدات الأفراد في قوالب غيبية ليس لها ثمار فعلية على الارض في حين ان فهم الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح للعقيدة كان ايمانا فعليا وتطبيقا على الارض لمتطلبات هذه العقيدة. فحري بنا ان نرجع الى الايمان الحقيقي كي ننهض امتنا من سباتها العميق الذي غرقت فيه حين اهملت الاسس وتصارعت حول القشور حتى اصابنا الهوان والذل .. للاسف ها هو التاريخ يعيد نفسه ولكن بصورة معكوسة هذه المرة.. فقد ابتلينا بمرض الجدل بيزنطي الذي وقع فيه البيزنطيون حينما تجادلوا حول جنس الملائكة في وقت كنا نحاصر فيه عاصمتهم القسطنطينية من كل الجهات.

1- المفهوم الفعلي لأركان الإيمان

من المعروف ان اركان الايمان خمسة: الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره وللاسف تفسر المدرسة التقليدية هذه الاركان تفسيرا غيبيا فيصبح الايمان بالله متلخصا في الخوض في ذاته وصفاته ويصبح الايمان بالملائكة متلخصا في الكلام حول عدد اجنحتها ومم هي مصنوعة ويصبح الايمان بالقدر مشاحنات بين جبريين وقدريين. في حين ان مفهوم الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح كان مغايرا لهذا الفهم كما بينا سابقا ومتمحورا حول النقاط التالية.

·        الإيمان بالله جاء ليقرر أن الله وحده هو رب العوالم والممالك لها والهادي إلى النهج المستقيم المؤدي إلى النعمة والهداية . وليبين ان الحكم لله وحده وانه هو وحده الرازق والشافي والنافع على الحقيقة.  

·        والإيمان بالملائكة جاء لتعميق الحس الداخلي برقابة ملائكة الله وتدوينهم لأعمال البشر ونشاطاتهم التي تتفاعل خلال الحياة اليومية وتجري في السر والعلن .

·        والإيمان بالكتب الإلهية استهدف استيقان المؤمنين بمنافع هذه الكتب وتمكينها من توجيه الممارسات اليومية في ميادين الحياة المختلفة .

·        والإيمان بالرسل استهدف إبراز أهمية الاقتداء بهم وبرسالاتهم وأثر هذا الاقتداء في حفظ النوع البشري ورقيه .

·        والإيمان بالآخرة استهدف تنمية الشعور بالمسؤولية والمحاسبة المستقبلية عن جميع أشكال التصرف بالأمانات والمسؤوليات الموكلة للإنسان في الحياة الدنيا .

·        والإيمان بالقدر خيره وشره استهدف إخراج أمة تعي أهمية السنن الآلهية ، والإيقان بأن كل شيء خلقه الله بقدر ـ أي بقانون ـ ثم يكون من ثمار هذا الإيقان الالتزام بالتفكير العلمي والمناهج العلمية في جميع الممارسات والسياسات وأشكال التخطيط والتنفيذ والتقويم ، والإيقان بأن السلوك الخيّر يورث آثاراً اجتماعية خيّرة متقدمة ، وأن السلوك السيىء يورث آثاراً اجتماعية سيئة متخلفة ، وأن جميع الدعاوى الإعلامية والفكرية التي تنسب المنجزات الخارقة لإرادات أصحاب النفوذ ، أو الوعود التي تنقل عنهم ، لا أثر لها في مجريات الحياة وتطور الأحداث ، وأن إرادات أهل النفوذ حين تصطدم بأقدار الله ـ أي قوانينه وسننه ـ لا يكون من ثمارها إلا الضنك والاضطراب والفشل والخسران.

3- الجدل في الصفات

الحوار حول صفات الله الى حد معين مقبول اما التطرف والخوض في امور غيبية لا يحيط بها العقل فما النفع منه؟

سئل فلان اين الله فقال بالمرصاد وهذا جواب كاف. وقد سمى رب العالمين اطول سورة من سور القرآن باسم البقرة لان اليهود جادلوا في صفاتها فان كان الجدل في صفات بقرة امر الله بذبحها مذموما فكيف يكون الجدل في صفات الله وهو امر منهي عنه لما فيه من خوض في ذاته العلية حيث قال صلى الله عليه وسلم (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله  ولسنا مقتنعين بان هذه الامور الفلسفية ضرورية للرد على اهل البدع بل يكون الرد عليهم بعدم الخوض معهم في جدالهم العقيم.

توحيد الله عز وجل في أسمائه وصفاته :

هذا وقد جاء القرآن المكي مقرراً لتوحيد الأسماء والصفات ؛ فغالب الآيات تختم بصفات الله تعالى وأسمائه الحسنى ، لتأكيدها وترسيخها في النفوس ، كي يُعبد الله عز وجل بمقتضاها .  مثل ذلك قوله تعالى : (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً) الفرقان : 6 ، وقوله تعالى : (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) الأنعام : 18 ، وقوله تعالى : (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) الأنعام : 96 .

وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه ، يثمر له الخضوع والإستكانة والمحبة ، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات ..))6 . ويقول إبن بطال رحمه الله عن طريقة العمل بالأسماء والصفات: ((فَليُمَرِّنِ العبد نفسه على أن يصح له الإتصاف بها))7 . ومن هذا يتبيَّنُ أن المقصود من توحيد الأسماء والصفات ليس مجرد المعرفة الذهنية فحسب ، وإنما الغاية منها : أَنْ نحققها علمًا وعملاً ، ونفهمها كما فهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام لفظاً ومعنى ، وتعبدوا الله تعالى بها وعملوا بمدلولها في واقع الحياة8 .

وهكذا تربى الجيل الأول ـ رضوان الله عليهم ـ على تعلم وفهم صفات الله وأسمائهالحسنى ، فعبدوه بمقتضاها ، وعرفوه حق معرفته ، وقدروه حق قدره ، فملئت قلوبهم بتعظيمه وإجلاله والخضوع له ، والتذلل لعظمته وكبريائه ، وإستشعار مراقبته في كل الأوقات ، فأصبح رضاه سبحانه وتعالى غاية قصدهم ونهاية آمالهم . 

4- فهم القرآن الكريم

هل استنفد القرآن الكريم أغراضه؟ هكذا يتساءل الشباب، ويضيفون: لقد قام القرآن بدور كبير قبل أربعة عشر قرنا من الزمن، فهل يستطيع أن يقوم بدور تغييري في هذا العصر أيضا، أم أنه قد تغير، وانتهى مفعوله؟ الحقيقة أن القرآن لم يتغير، ولم يستنفد أغراضه، فالقرآن لا يزال الكتاب الإلهي الذي هبط لإنقاذ البشرية، وهو يستطيع أن يقوم بدور كبير في البناء الحضاري - في الوقت الراهن. ولكن الذي تغير هو المسلمون. إن طريقة تعامل الأمة مع القرآن، وكيفية تلقيها لمفاهيمه ورؤاه تختلف اليوم بشكل جذري عما كانت عليه بالأمس. لقد كان المسلمون الأولون يفهمون القرآن كتابا للحياة، ومنهجا للتطبيق والتنفيذ، وأما المسلمون اليوم فهم يتعاملون مع القرآن بشكل معاكس تماما. فالأمة أخذت تحصر الاستفادة من القرآن في مجالات محدودة، فالبعض اتخذ القرآن طريقاً للكسب وبابا للأرزاق. والبعض الآخر اعتبره وسيلة للعلاج فحسب، فإذا ضعف بصره، أو وجعت أسنانه، أو آلمته أمعاؤه، هرول إلى القرآن ليتلو آيات معينة منه حتى ترتفع بسببها هذه الأسقام، وأما في غير هذه الحالة فلا شأن له بالقرآن. وهنالك مجموعات أخرى لا تفتح القرآن إلا عند الاستخارة أو حين السفر، أو عندما يموت أحد الأقارب، وليس أكثر من ذلك. ومن الواضح أننا لا ننتقد هنا الاستفادة من القرآن في هذه المجالات، وإنما ننتقد تحديد الاستفادة منه ضمن هذه الإطارات. إن القرآن كتاب حياة، يقول الله سبحانه ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُم))، ولذلك فإنه يجب الانتفاع من القرآن في كل مجالات الحياة، وليس في مجال أومجالين. إن أمتنا تقرأ القرآن، وتستمع إلى تلاوته ولكن كحروف بلا معنى، وكلمات بلا مفهوم، ومن هنا فإنها لا تعمل بالقرآن كما هو مطلوب، لأنها لا تفهم القرآن، والفهم هو المقدمة الطبيعية للعمل بالشيء، بينما كان المسلمون الأولون لا يقرؤون آية حتى يتفكروا في أبعادها المختلفة، وحتى يعوها بشكل كامل. ولأن أمتنا أهملت فهم "لباب" القرآن اندفعت في طريق البحث عن القشور، فأخذوا يصرفون جهودهم على قضايا ثانوية، كان الأحرى بهم أن يصرفوها في مجالات أكثر تأثيراً وفائدة. فهذا أحدهم يقضي آماداً طويلة من عمره لكي يجيب على الأسئلة التالية: كم هي عدد كلمات القرآن؟ وكم هي حروفه؟ وكم تكرر حرف الألف؟ وكم تكرر حرف الباء؟ وكم تكرر حرف التاء؟ وهكذا إلى آخر حروف الهجاء. والله يعمل كم من الجهود صرفت في سبيل معرفة هذه القضية، خصوصاً وأنها لم تتم في العصر الحديث حيث يسرت الحواسيب الأمر، بل تمت في عصور ماضية.

 

 

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة