الانحراف الاخلاقي الغربي

 
 لعل من أشد ما يفتن فيه الناس فى الجاهلية الحديثة أنها ذات "أخلاق". أنظر إلى هذا الرجل الغربي المهذب . . إنه شخص ذو أخلاق .. إنه لا يكذب عليك ولا يغشك ولا يخادعك. إنه يحدثك فى استقامة. ويعاملك بأمانة. ثم إنه مخلص فى عمله، صادقالنية فى خدمة "وطنه" .. "مثال" في كل شيء . . وأما المسألة الجنسية. . فدعك منها ! إنهم - هناك - لا يعتبرون لها صلة بالأخلاق! وليست العبرة بهذه النقطة .. ياليتنا يا سيدى نفسد مثلهم، ويكون لنا أخلاق! هذا ما يقول لنا بعض المغترين من ابناء الشرق بحضارة الغرب.
 
 وسوف نتتبع هنا تاريخ الأخلاق فى الجاهلية الحديثة، لنرى إن كانت سائرة فى طريق الصعود أم فى طريق الانحدار .. ونرى - على ضوء الواقع الحقيقي. بعيدا عن الحالات -كم بقي فى العالم الغربى من أخلاق. ولكننا نود قبل أن نسير مع خطوات التاريخ، أن نؤكد المعنى الذى أشرنا إ ليه أكثر من مرة من قبل: إنهلا توجد جاهلية واحدة فى التاريخ خلوا من جميع الاخلاق. فليس في طاقة البشرية ان تفسد كلها . . وفى كل شىء. لقد كانت الجاهلية العربية حافلة بألوان من الفضائل كان فيها الشجاعة والإقدام، وبذل النفس رخيصة فى سبيل ما تؤمن به من هدف والكرم والأنفة واباء الضيم .. ولكن ذلك كله لم يعفها من كونها جاهلية. ثم لم يعفها من نتائج ضلالها. فقد كانت هذه الفضائل ذاتها لبعدها عن منهج الله - تنحرف عن طريقها القويم. كانت الشجاعة وألإقدام وبذل النفس تضيع فى جاهلية الأخذ بالثأر، والتناصر على ضلال فلم يكن مهما عندهم إن كان الذى ينصرونه على الحق أو على الباطل. وكان الكرم ينقلب مباهاة فارغة ! فكانوا يذبحون الذبائح للضيف . . كى يتحدث بذكرهم الركبان! فليس الحق هو الأصل وإنما هو "الأنا" الطاغية، ولو علم صاحب "الأنا" بينه وبين نفسه أنه على ضلال!
 
والجاهلية الأوربية حافلة بألوان من الفضائل فى مجال التعامل الفردى: الصدق والإخلاص فى العمل والاستقامة والأمانة ونظافة التعامل . . ولكنها - لبعدها عن منهج الله -تنحرف عن طريقها القويم. فقد تحولت -كما سنرى بعد لحظة-إلى فضائل "نفعية" يتبعها منيتبعها لأنها- فى مجموعها- "نافعة" فى التعامل .. تجعل عجل الحياة تسير هينة بلا احتكاك. أما حين تفقد "نفعها" فهى تفقد كذلك رصيدها عند ذلك الأوربى "الفاضل " . . وتصبح فى نظره حماقة "مثاليه " لا تستحق الاتباع.
 
كانت " الأخلاق الأوربية مستمدة كلها من الدين. وليس هناك مصدر للأخلاق- فى الحقيقة سوى الدين! والبشرية تنحرف في عقيدتها بعد أن تكون على الحق فتننحرف معها أخلاقها. ولكن انحراف الأخلاق بطىء بطىء إلى أقصى حد ..لا يتم في جيل واحد، بل أجيال . . ومن ثم يحدث ذلك المظهر الخادع الذى خدع البشرية الحديثة، وخدع معها عشاقها . . أن يوجد الانحراف عن العقيدة ظاهرا، ولا يكون الانحراف عن الأخلاق قد اتضح بعد وأخذ صورته الحادة . . فيظن الناس لأول أنه لا صلة بين العقيدة والأخلاق. وأنه يمكن أن ينحرف الناس عن العقيدة ما شاءوا ثم تظل لهم أخلاق! وهو وهم خادع . . سببه اختلاف السرعة فى الانحدار ! وسببه أن النفس تحتجز رصيدها الخلقي - بحكم العادة والتقاليد - أمدا طويلا بعد أن تكون قد فقدت "الايمان" كجزء من العقيدة.
ولأن الانحراف فى الأخلاق يكون بطيئا جدا وتدريجيا جدا . . لم تتبين للناس حقيقة الأمر . . عدة قرون . لقد كان من أثر دخول الرصيد اليونانى فى حصيلة الأخلاق الأوربية أنهم تصوروا أنه من الممكن - ومن المستساغ - أن تقوم المثل الأخلاقية فى الفضاء .. فى الأبراج العاجية ، بينما السلوك الواقعى يسير فى خط اخر ، محكوم -كما يقولون - بالضرورات. وهذه التفرقة بين النظرية والتطبيق، رصيد أوربى بحت، أنتجته الجاهلية الحديثة بوجه خاص، صبغت به "أخلاقيات " العالم كله فى كل مجال، فصار من المستساغ عند الناس أن يتحدثوا عن " النظرية " الأخلاقية ويستمتعوا بها فى ذاتها - فى عالم المثل - ئم لا يتوقعوا تطبيقها فى واقع الأرض، وإنما يسيرون فى هذا الواقع بحسب ما تفتضيه الظروف. 
الانحراف في السياسة
وفى ظل هذه الجاهلية فى التصور ، ولدت " المكيافيلية" التى تسم بطابعها السلوك الغربى كله. فى كل مجال تجد فيه أوربا أن "المثل " لا تسعفها "بالفائدة" المطوبة ! وبدأت المكيافيلية فى السياسة . .. كانت السياسة أول ما تأثر بعملية الفصل بين النظرية والتطبيق ! وسارت أوربا فى السياسة على أساس أن الغاية تبرر الوسيلة ! فكل وسيلة- مهما كانت قذارتها وبشاعتها - مستساغة ما دامتتوصل إلى الهدف المطلوب. وفى الداخل والخارج طبعت المكيافيلية سياسة أوربا بطابعها. الملوك والأشراف ورجال الدين يتبعون أخس الوسائل للمحافظة على ما لهم من سلطان. والرأسمالية من بعدهم ترثهم وترث وسائلهم وتزيد عليها . . بشاعة زائدة فى التواء السلوك لتحقيق المصالح غير المشروعة التى تعيش عليها .. حتى لا يعود هناك مانع في نظر الرأسمالية الأمريكية مثلا من قتل كنيدى للمحافظة على مستوى الأرباح! أما فى الخارج فالأمر أشد بشاعة . . الاستعمار يتوسل بكل سفالات الأرض ودناءاتها ليوطد سلطانه، ويمتص دماء الناس . . ولا يرى فى ذلك انحرافا! فالغاية تبرر الوسيلة! ولا يهم أن تكون الغاية ذاتها نظيفة .. ففي عالم المثل توجد النظافة . . لا فى عالم الواقع المشهود. وهكذا انفصلت السياسة عن الأخلاق فى أوربا . . وقال الناس : لا ضير ! إنا هكذا "السياسة" . . لا صلة لها بالأخلاق !
كان ذلك بدء الانحراف . . ولكنه لم يكن كل الانحراف . وخدع الناس فلم يفطنوا إلى الحقيقة . . أنه مادامت الأخلاق تد انفصلت في العقيدة فى الله  فلن تثبت فى الأرض، ولن تصمد للعقبات! خدعوا . . لأنهم رأوا رصيدا ضخما من الفضائل مازال باقيا فى واقع الأرض .. لم يتطرق الفساد إليه . . فظنوا- مخدوعين - أن السياسة شأنها هكذا حقيقة . . لا تخضع لقواعد الأخلاق! وأن ما حدث لم يكن هدما للأخلاق ولا انتقاصا من رصيدها النبيل، وإنما هى "نظرة واقعية" للأشياء ، لا تحلم بالمثل المستحيلة التطبيق! ولكن السنة الحتمية لا تتخلف! فا دامت الأخلاق تد انفصلت عن العقيدة، معينها الطبيعى الذى يجدد حيويتها ، ويمنحها الإخلاص والصدق ، فلا يمكن أن تثبت. لقد استبدلت أوربا بالدين الفلسفة . . وصاغت منها قواعد أخلاقها . . أو أنها قى الحقيقة-كراهية فى الدين - قد أعطت ثوبا فلسفيا لما كان باقيا لديها من رصيد خلقي لم يفسد بعد .. فصار الناس يمارسون الفضائل - الموروثة- ثم ينفرون من أن يحسوا بأنها مستمدة من الدين فيفسرونها " بالواجب " أو " بالضمير"، أو بكذا . . وكذا . . ويأبون - أن يفسروها بالدين. و لقد تأثر بعض المسلمين بهذه العدوى حتى تجد احدهم يقول "انا لا اشرب الخمر ولكن لا افعل هذا عن تدين بل كراهة في الشرب"
الانحراف في الاقتصاد
أخذ الاقتصاد- من بعد السياسة- ينفصل عن الأخلاق !
حقيقة إن الوضع الاقتصادي فى أوربا كان قائما منذ البدء على أساس غير أخلاقي فقد كان نظام الإقطاع المعتمد على عبيد الأرض قائما فى الإمبراطورية الرومانية من قبل المسيحية بكل شناعاته ورذائله، ولم تستطع المسيحية- أن تخضع الوضع الاقتصادي فى الإمبراطورية لقواعد الأخلاق المستمدة من الدين لأنها اعتمدت الفصل بين الدين والدنيا. بل إن الكنيسة ذاتها انقلبت بعد أجيال قليلة إلى مؤسسة إقطاعية، تمارس فى ممتلكاتها كل ما يمارسه الإقطاعيون من مظالم كريهة . . باسم الدين! ومع ذلك فقدكان الانحراف فى الاقتصاد الإقطاعي محصورا فى هذا الوضع الموروث من قبل، الذى عجزت الكنيسة المسيحية عن تعديله. واستطاعت تعاليم الدين - على الرغم مما أصابها من انحراف ومسخ - أن تجعل التعاملبالربا - مثلا- أمرا مكروها لا يلجأ إليه الناس فى تعاملاتهم الاقتصادية إلا كارهين. ولما جاء الانقلاب الصناعى والرأسمالية كان الناس قد بعدوا أشواطا عن العقيدة وأشواطا عن الأخلاق! ومن ثم لم تجد الرأسمالية الناشئة حاجزا يحجز عن انتهاك كل ما لم ينتهك بعد من مبادىء الأخلاق. الربا . . المحرم فى المسيحية- واليهودية من قبل -كان هو الأساس الذى قامت عليه الرأسمالية من أول لحظة، بكل ما يشتمل عليه من قبائح وظلم، واغتصاب للجهد المبذول ، واستمتاع فاجر بالكسب الذى لم يتعب في اخذه، وإنما يأتيه الكسب سهلا وهو قاعد مستربح! ثم كان الاستغلال البشع لجهد العمال لقاء القوت الضروري، بل لقاء أجر يقل عن الكفاف . . وكان استغلال الأطفال - فى طفولتهم الغضة - يعملون الساعات الطويلة المنهكة . . وكان استغلال المرأة لمضاربة الرجل وتفتيت عزيمته حين أخذ يطالببرفع الأجور وتحسين أحوال العمل .. ثم استغلالها لإرضاء شهوات الرجل الهابطة ، وقهرها على بيع عرضها لفاه لقمة الخبز !
وكان إفساد الأخلاق بالجملة لإتاحة فرص الربح المجنون للرأسمالية، فى الملاهى والملذات، وأدوات الزينة والملابس و" المودات" و التقاليع ! . . وكان نهب المواد الخام من البلاد المستعمرة لتحصل الرأسمالية على الربح الفاحش وتترك الملاك الأصليين فى الفقر والتأخر والجهل والمرض والعجز . . مع تصدير المفاسد الخلقية إليهم لتربح الرأسمالية في طريقها مزيدا من الأرباح! وكان شراء الذمم والضمائر- فى السياسة الداخلية - لضمان تسيير السياسة حسب أهواه الرأسمالية الحاكمة، وفى السياسة الخارجية للإبقاء على مصالح الرأسمالية والاستعمار .. وسخرت الرأسمالية أيما سخرية من الذين يواجهونها بالدعوة الخلقية والرجوع إل مبادىء الأخلاق! وظهرت نظريات "علمية" تقول إن الاقتصاد له قوانينه الخاصة . . قوانينه الحتمية التي لا علاقة لها بالأخلاق . . بل لا علاقة لها "بالناس ، على الإطلاق ! وهكذاانفصل الاقتصاد عن الأخلاق انفصالا كاملا . . وهز الناس أكتافهم ، وقالوا: هذا شأن الاقتصاد .. إنه لا يخضع لقواعد الأخلاق !
الانحراف الجنسي
ثم أخذ الجنس - من بعد السياسة والاقتصاد- ينفصل عن الأخلاق ! على هدى التفسير الحيواني للإنسان، والتفسير الجنسيللسلوك، وفى ظل الانقلاب الصناعي الذي ولد فى الجاهلية المنحرفة عن العقيدة . . أخذ الناس يغرقون فى حمأة السعار الجنسي المجنون. . .وفى مبدأ الأمر كان واضحا للناس ولا شك أن هذا فساد فى "الأخلاق" ولكن رويدا رويدا نسى الناس هذه الحقيقة . . أو أنستها لهم الشياطين! ماركس .. وفرويد . . ودركايم . . وغيرهم من الشياطين، يوحى بعضهم إلى-بعض زخرف القول.. غرورا
ماركس - ومعه التفسير المادي للتاريخ - يقول : إن " العفة " الجنسية من فضائل المجتمع الإقطاعي البائد! كقيمة موقوتة لا بد أن توجد فى هذا الطور الاقتصادي . . لا كقيمة ذاتية ينبغي أن تتبع بصرف النظر عن الظروف الاقتصادية، لأنها مرتبطة بكيان الإنسان ذاته المتميز عن الحيوان ! وفرويد يقول : إن الإنسان لا يحقق ذاته بغير الإشباع الجنسي . وكل قيد- من دين أو أخلاق أو مجتمع أو تقاليد - هو قيد باطل، ومدمر لطاقات الإنسان . . وهو "كبت " غير مشروع ! دركايم يقول : "إن الأخلاقيين يتخذون واجبات المرء نحو نفسه أساساللأخلاق . وكذا الأمر فيما يتعلق بالدين، فإن الناس يرون أنه وليد الخواطر التى تثيرها القوى الطبيعية الكبرى أو بعض الشخصيات الفذة لدى الإنسان . . الخ (يقصد الرسل والأنبياء والقديسين) ولكن ليس من الممكن تطبيق هذه الطريقة على الظواهر الاجتماعية اللهم إلا إذا أردنا تشويه طبيعتها" ويقول : ومن هذا القبيل أن بعض هؤلاء العلماء يقول بوجود عاطفة دينية فطرية لدى الانسان، وإن هذا الأخير مزود بحد أدنى من الغيرة الجنسية والبر بالوالدين ومحبة الأبناء، وغير ذلك من العواطف. وقد أراد بعضهم تفسير نشأة كل من الدينوالزواج والاسرة على هذا النحو. ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية فى الانسان" وحينئذ فإنه يمكن القول بناء على الرأى السالف بأنه لا وجود لتفاصيل القواعد الخلقية فى ذاتها إذا صح هذا التعبير .. ومن ثم فليس من الممكن تبعا لهذا الرأى، أن تصبح مجموعة القواعد الخلقية التي لا وجود لها فى ذاتها موضوعا لعلم لأخلاق . . لقد غرق الناس فى حمأة الجنس بتأثير هذه المبادىء الهدامة، ثم نسوا أنهم بذلك ينحرفون عن " الأخلاق " فراحوا يقولون : إن الجنس عملية "بيولوجية" بحتة لا علاقة لها بالأخلاق ! ! كما قالوا من قبل : إن السياسة هى سياسة ولا علاقة لها بالأخلاق ! وكأنهم حين يقولون ذلك بأفواههم يغيرون حقيقة الواقع، أو ينفون عن هذا الواقع ثقلة الانحراف، ونتائج الانحراف! وهكذا انفصل الجنس عن الأخلاق كما انفصلت السياسة والاقتصاد من قبل! وانهار ركن جديد من الأخلاق بعد إذ انفصلت عن معينها الحقيقي الذى لا معين غيره .. معين الدين ! وإذ كان التحول فى مجال الأخلاق تدريجيا وبطيئا. وإذ كانت الحصيلة التى جمعتها الأجيال تحتاج - فى هدمها- إلى أجيال . . فقد انفصلت السياسة والاقتصاد عن الأخلاق ثم انفصل الجنس، وبقي بعد ذلك رصيد ضخم من الأخلاق لم يكن قد فسد بعد .. فخيل للناس - فى جاهليتهم - أن الأخلاق يمكن أن تنفصل عن العقيدة وتظل مع ذلك حية فاعلة فى الأرض . . وخيل إليهم - بما نفخت الشياطين فى أذهانهم من المذاهب والنظريات - أن السياسة والاقتصاد والجنس ، لا علاقة لها بالأخلاق حقا! فهى محكومة بقيم أخرى واعتبارات أخرى غير القيم والاعتبارات الخلقية .. وأن " الأخلاق " باقية بخير ، ومستمرة فى فاعليتها . . حتى بعد انفصال السياسة والاقتصاد والجنس . . لن تتأثر بهذا الفساد ، إلذى آن لنا أن نكون واقعيين فلا نسميه فسادا . . ولنسمه مثلا . . تطورا . . أو فلنسمه . . ضرورة حتمية ! والتطور والحتمية كلاهما قوة لا تناقش ولا تعارض، ولا توضع -كالأشياء الأخرى- فى الميزان . فهى ميزان نفسها. ومضت العجلة خطوة أخرى فى طريق الانحدار . . فما كان يمكن أن تقف عند حد معين .. ما دامت فى طريق الانحدار! لقد كان قد بقي رصيد من الأخلاق الحقيقية فى أوربا . . رصيد من الفضائل الانسانية الخليقة بالإعجاب. الصدق والأمانة والاستقامة والجلد على العمل والإخلاص فيه .. والقدرة على التنظيم . . والتوجه إلى الإنتاج والصبر على مقتضياته ، والكفاح من اجل تحسين الحياة وتجميلها وتيسيرها . . وهى كلها جزء من الرصيد الأصلى للأخلاق، الذى استمدته أوربا من الدين.
الانحراف في الفضائل
 ولكن بعدئذ حصل الانحراف في الرصيد الذي تبقى من الاخلاق في الجاهلية الحديثة فصارت نفعية وصارت انانية: ان الصدق و الاخلاص والامانة والاستقامة فضائل ولكنها يمكن ان تتم على مستويات مختلفة وليست صورة واحدة مفردة: يمكن أن تتم على مستوى إنسانى . . وهدا هو الخليق بها . . وهذه صورتها الحقيقية الأصلية التى تستمدها من معين الدين. ويمكن أن تتم على مستوى "قومى" أى أن لا تطبق إلا فى حدود " القومية " التى يعيش الإنسان فى داخلها، فإذا خرجت عن حدود هذه القومية - الضيقة مهما اتسعت - فقدت رصيدها ودوافعها، وانقلبت أنانية تسرق وتنهب وتغش وتخادع وتلتوى . . ولا تبالى أن تصنع ذلك كله، ولا تتأثم ولا تتحرج . . لأنها فى أصلها لا تقوم على ركيزة إنسانية حقيقية. ويمكن بعد ذلك أن تتمفى المستوى القومى ذاته، لا على أساس انها قيم مطلقة ينبغى طاعتها وإنما على أساس ما تجلبه من النفع لحاملها . . فهى تتبع بمقدار هذا النفع، وتبطل إذا بطلت المنفعة، القريبة أو البعيدة، التى هى فى هذه الحالة الرصيد الوحيد المتبقي لهذه "الأخلاق". ولقد وقعت أوربا - بتأثير الجاهلية الرومانية المعادة - فى هذين الانحرافين معا . . . بالتدريج !
حين كان المسلمون يتعاملون مع الصليبيين فى الحروب الصليبية- وخاصة فى عهد القائد المسلم صلاح الدين - فيفون بعهودهم ، ويأبون أن ينقضوامواثيقهم حتى حين تحصرهم الضرورة وتكون المنفعة فى نقض هذه المواثيق . . حينئذ كانوا يضربون مثلا للأخلاق " الحقيقية " فهذه هى الأخلاق فى صورتها الأصلية، المستمدة من منهج الله. "وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء" إن الله لا يحب الخائنين. فالميثاق لا ينقض غدرا حتى حين تخاف الخيانة . . وإنما يعلن العدو أن الميثاق قد انتهى بسبب الخيانة من جانبه، ويعلن أن العلاقة هى علاقة الحرب، فلا يؤخذ على غرة .
وحين كان الصليبيون ينقضون الميثاق الذى ضربوه للمسلمين. ويأخذونهم على غرة. ويقتلون منهم الألوف من الرجال والنساء والأطفال قتلا وحشيا بشعا لا يطيقه الا "ضمير" أوروبا. ويدخلون عليهم المسجد- وهو الحرم الامن المقدس . . بيت الله - و هم لاجئون إليه بلا سلاح ولا عدة، فيقتلونهم فى داخل بيت الله حتى تغوص سيقان الخيل الهاجمة فى الدماء .. ثم ترتد الجولة للمسلمين فينتصرون على هؤلاء الصليبيين ذاتهم ، فيعاملونهم علىنفس المستوى " الإنسانى " الذى كانوا يعاملونهم به من قبل . . كانوا يضربون مثلا اخر للأخلاق " الحقيقية" القائمة على ركيزة "إنسانية " لأنها تستوحى منهج الله وتعيش على هداه. ولكن أوروبا الجاهلية المنحرفة عن عبادة الله لم ترتفع إلى هذا المستوى قط فى تاريخها، .. لأنها لا تستمد الأخلاق من منبعها الرائق الأصيل، وإنما تمزج به - على الدوام ، وبنسب متزايدة - مفاهيمها الجاهلية المنحرفة، المستمدة من جاهلية اليونان وجاهلية الرومان . . وعليها مزيد ! إن الروح الرومانية القديمة التى كانت تتمثل فى القانون الروماني الشهير ، الذى يمنح العدالة للرومان فقط ! ويحرم منها الاخرين . . إنها هى ذات الروح الأنانية التى سيطرت على " أخلاق " أوروبا فى جاهليتها الحديثة. فالأخلاق سارية المفعول فى حدود القومية وحدها. فإذا انتقلت الى خارجها فقدت رصيدها ودلالتها . . إلا فى حالة واحدة .. حالة المنفعة ! وعندئذ يمكن أن تستمر قائمة خارج حدود القومية ! السياسة أمرها واضح! فالمواثيق تعقد وتوثق .. وفى لحظة غادرة تنقض وتصبح حبرا على ورق، بمجرد أن تلوح "المصلحة القومية" فى نقض الميثاق! ويمر الناس بهذا مستخفين غير مبالين. لأن النظرية الجميلة شىء والتطبيق شىء اخر ، بموجب الجاهلية اليونانية الفلسفية !
 في جنوب أفريقيا شركة ملاحة انجليزية يعمل على سفنها بحارة أفريقيون مسلمون .. ولا تطيق الشركة المسيحية أن تراهم مسلمين ! لابد من إفسادهم بأية وسيلة ! فدأبت على أن تصرف لهم جزءا من أجورهم زجاجات من الخمر ! وهى أغرب "عملة " يتعامل بها الناس فى عالم الأجور ! والخمر محرمة على المسلمين، شربها وبيعها سواء ! فكانوا يحطمون هذه الزجاجات ، ويفقدون بذلك الجزء الأكبر من أجورهم ويعيشون على الكفاف! ثم أدركهم أحد المسلمين البصيرين بالقانون، فوصاهم أن يرفضوا قبض أجورهم بهذه الصورة التى لا مثيل لها فى أى بقعة على الأرض ويرفعوا على الشركة قضية إذا أصرت على هذا التصرف الغريب. . فما كان من الشركة إلا أن فصلتهم من العمل جميعا دفعة واحدة ! وهذه هى " الأخلاق " ! وأهل فرنسا قوم "ظرفاء" مهذبون " للمنفعة ! .. فحين يستقبلك أهل باربس بالأدب والظرف و" الإتيكيت " ويمنحونك عواطفهم فكل ذلك لكى "تنفق" فى فرنسا أكثر ما تستطيع إنفاقه من النقود ! أما إذا لم تصنع .. ! حدثنى شاب مصرى كان هناك، لا يشرب الخمر ولا يرتاد أماكن الفجور ولا يقبل ما يعرضه عليه الفندق من دعارة تأتيه حتى غرفته وهو جالس مستريح.فضيق عليه الفندق الخناق لكى "يتعب " ويخرج ورفع عليه الأسعار ! وحين تتعامل التجارة الدولية بأمانة فائقة ، نادرة المثال، خارج حدود القومية، فهى ليست " الأخلاق " وإنما هى " المنفعة " ! فالغش يفقد السوق، ويفقد الأرباح! والحرص الشديد على الربح يستوجب الأمانة الفائقة فى التعاملات!
على أن هذا التفسير النفعي للأخلاق ليس مقصورا على التعامل " الخارجى" وحده. فرويدا رويدا أصبح هو الدافع الأخلاقى داخل القومية ذاتها ! فلم يعد الأمر أن الأخلاق انحسرت من نطاقها الإنسانى إلى النطاق القومى، وإنما فقدت حتى داخل هذا النطاق الضيق رصيدها الصادق، وأصبحت منفعة متبادلة بين الناس! الصدق جميل فى التعامل لأنه نافع فى حدود التنظيم القومي! أنت تصدق وتتوقع من الآخرين أن يكونوا صادقين مثلك. لا لأن الصدق فى ذاته فضيلة، ولكن لأنك وإياهم تكسبون بذلك جميعا، تكسبون توفير كثير من الجهد وكثير من المال وكثير من الوقت .. يمكن أن توجه إلى كسب مزيد من الربح ! فأما حين يكون الصدق بلا مكسب . . أو حين يكون الصدق خسارة مادية . . فا قيمته ؟ وما الدافع إليه ؟! حدثنى أحد المصريين الذين عاشوا فى أمريكا ..كان يتلقى درسا فى اللغة على يد مدرسة خصوصية تعمل فى مدرسة من مدارس الأحد هناك. ولما اطمأنت بينهما العلاقة، وعرفت أنه مسلم متدين قالت له : إننى أمرف أشياء عن الإسلام تجعله منفرا للناس! إننى أعرف مثلا أن نبيكم محمدا سكر ذات مرة حتى لم يعد يملك خطواته، فوقع على الأرض فعضه خنزير .. ومن أجل ذلك حرم الخمر والخنزير ! ! فقال لها : إن هذه خرافة لا سند لها من التاريخ، وإن الحقيقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشرب الخمر قط، قالت : أوه .. أشكرك على ما بينت لى من الحقيقة. هل تعلم أننى أدرس هذه الأشياء لتلاميذىفى مدرسة الأحد ؟ ! ! قال : والان وقد عرفت أن ذلك ليس حقيقة .. هل تستمرين فى تلقينه للصغار ؟ قالت مسرعة : أوه : هذه مسألة أخرى . إننى أرتزق من تدريس هذه لأشياء.
ولأن الأخلاق فى الجاهلية الحديثة فقدت رصيدها الخلقي " الحقيقي " بتأثير الجاهلية -اليونانية والرومانية بعد انفصالها عن معينها الحقيق الصادق .. لم يكن فى الإمكان أن تثبت للصدمات! ولندقق الناس بقضية الأخلاق فى الغرب، حين رأوا هذه الأخلاق صامدة راسخة لا تنأثر بفساد السياسة والاقتصاد والفساد الجنسى، وغابت عنهم فى الوقت ذاته الأنانية والنفعية فى هذه " الأخلاق "، فحسبوا أن الأخلاق يمكن أن تنفصل عن الدين وتظل حية فاعلة فى واقع الأرض، وأن الأمور التى انفصلت عنها لم تكن أصولا .. وأنها ستبقى هكذا أبدا، و طغت الروح الماديةوالنفعية والأنانية على الناس! والفتنة كامنة-كما بينا- فى بطء التحلل الخلقي حتى ليبدو للناس أنه لا يحدث على الإطلاق. ولكن من يدقق اليوم في اعراض انهيار الاسرة و تفشي الشذوذ وتعاطي المخدرات وارتفاع معدلات الجرائم والاغتصاب وشيوع الانتحار في اكثر البلاد الغربية رقيا يدرك فساد المجتمع الغربي بالكامل وما استمرار التطور فيه الا لوجود فئة قليلة من الناس بنت مصالحها على هذا الفساد والانحلال ووجدت منه ركيزة تحافظ فيه على مصالحها و سيطرتها على مقدرات الشعوب.
 
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة