الانتفاع بعلوم الآخرين

 

 "لا حاجة لكتب التنمية الذاتية ففي الكتاب والسنة ما يغني عنها" . كثيرا ما تصادفنا هذه العبارة حينما نقرأ كتب بعض العلماء والدعاة وحجتهم في ما يقولونه ان هذه الكتب قد تحتوي على امور مخالفة للدين تضلل من يقرأها. اما رأيي الخاص فيتلخص في النقاط التالية:

1-    يؤسفني ان معظم من يقولون هذه العبارة يسبقونها بكلمة "بعد ان اطلعنا على هذه الكتب الغربية" فلم نحرم الآخرين من حق احتكرناه لانفسنا؟ ولم نعتبر ان عقولنا انضج من عقول الناس؟ واننا محصنون وهم ليسوا بمحصنين؟ وان كان هذا هو الحال فعلا فلم لا نرفعهم الى مستوانا؟ اليست هذه هي وظيفة الداعية الاولى؟ الارتقاء بافهام الناس وتحويلهم الى دعاة مثله؟

2-    لا اعترف بمقولة السم الذي يدس في العسل في حق الكتب الفكرية الجدية.. نعم اعترف بها في الكتابات الاباحية الهابطة... اعترف بها في الافلام والدعايات .. اعترف بها حينما تصبح منهجا تعليميا اجباريا من الدولة.. اما ان نشر كاتب او مفكر كتابا بشكل فردي فلا مانع من ان نشتريه ونطلع عليه بل من المفيد ان تطلع على طريقة تفكير وتصرف الغير. ليس من المفروض بالقراءة الجدية ان تفتن فأنت اذا قرأت كتابا عن السحر الاسود لن تصبح ساحرا واذا قرأت الكتاب المقدس لن تصبح نصرانيا.. (طبعا هذا لا يعني اني مع قراءة كتب السحر فوقتنا اثمن من ان نضيعه في قراءة امور لا تنفعنا.. اما الاطلاع على تراث غيرنا من الاديان فهو نافع لمناقشتهم على بينة)

3-    قد يقول قائل : كيف تساوي بين المفكر المثقف وبين القارىء العادي.. انت لن تتأثر اما غيرك فمن الممكن ان يتأثر.. فاقول ان من يملك الجلد لقراءة كتاب علمي جدي لن يكون بهذا السخف بحيث يجره كتاب ما الى امور مخالفة لمعتقده لمجرد انه اطلع عليه كما بينا في الفقرات السابقة.. اللهم الا اذا كان هو تائها في الاصل وضائعا.. فالشك لا يغلب يقينا راسخا.. واذا كان القارىء في الاصل تائها ضالا ضائعا فلم نعتبر الكتاب الذي قرأه سببا في ضلاله في حين انه لم يكن له الا دور كشف المستور واظهار ما هو موجود فعلا.. الام سنبقى خائفين من الاطلاع على علوم الآخرين بحجة الخوف من التأثر بهم؟ لم لا نحصن الناس بدلا من ان نحجر عليهم؟

4-    هناك مخاطر ومضار لا انكرها.. لكن لم لا نعمل على تقليصها والحد منها؟؟ من الخطر مثلا  اعتبار هذه الكتب مراجعا وادلة ولكن ما من خطر ابدا في الاستئناس والاستفادة.. من الخطأ دفع مبالغ طائلة للقيام بدورات في علوم البرمجة اللغوية مثلا ولكن ما من خطأ ابدا في قراءة ما كتب عنها وفيها اذا لم يستغرق ذلك كل وقتنا ويصبح شغلنا الشاغل.

5-    ان ادعاء وجود كل شيء نقرأه في كتب التنمية والتطوير الذاتي في الكتاب والسنة شبيه بادعاء وجود كل الادوية في السنة النبوية الشريفة والتخلي عن الطبابة . الكتاب والسنة احتووا الاسس والمبادىء والضوابط ولكنهم لم يحتووا كل معلومة وكل تفصيل.

6-    وعلى فرض ان اكثر المعلومات الموجودة في كتب علوم التنمية الذاتية والاجتماع موجودة ايضا في الكتاب والسنة فهي موجودة كاشارات لطيفة ومعظم من التقط هذه الاشارات لم يفعل ذلك الا بعد قراءة هذه الكتب حيث اعاد كتابتها بقالب اسلامي.. وهذا جهد طيب ومشكور لو انه اردفه بالاعتراف بانتفاعه من هذه العلوم بدلا من جملته المشهورة "ليس لنا حاجة الى كتبهم ففي الكتاب والسنة ما يكفينا". ما المشكلة في الاعتراف باستفادتنا من الآخرين ولم نصر ان ننسب كل انجاز الينا وان نحشر كل اكتشاف علمي بنص من الكتاب والسنة حتى لو كان بعيدا احيانا وغير صريح. الم يرد في الاثر ان الحكمة ضالة المؤمن انى وجدها فهو احق بها؟؟؟

7-    ان العلوم الغربية (واقول غربية وانا حزين اذ ليس من المفترض ان ينسب اليهم العلم لولا "الزهد" العلمي الذي نعاني منه) هي علوم ناتجة عن بحوث ومعاينات وتجارب واحصائيات وليس عن مبادىء كما في حال تراثنا الاسلامي فبالتالي هي تردف التراث وتؤكده وتحوله من علم نظري الى علم تجريبي وتزيد اثره في النفوس، فليس من تصادم اذن بينها وبين التراث الاسلامي بل علاقة تكامل.. انا ارى انه من الاستخفاف بالعقول ان ننكر اهمية كل هذه الابحاث بزعم انها موجودة في القرآن ومثل من يقول ذلك كمثل من يقول اذا سمع بأن العلم اثبت كروية الارض: ما هذه السخافة؟ لقد سبقكم القرآن الى ذلك قبل اربع عشر  قرنا.. متناسيا ان العلم لم يأت بهذه المعلومة كمعلومة فقط بل كعلم متكامل له ابحاثه ونتائجه ومعادلاته واستخداماته، فالقمر الصناعي الذي صور الارض واظهر حقيقة شكلها هو نفس القمر الصناعي الذي يتجسس على اراضينا والذي يجعل عدونا يدمر طيراننا وهو جاثم على الارض. ونظرية الجاذبية التي تحكم دوران الارض حول الشمس هي نفس النظرية التي تحكم مسار الصواريخ العابرة للقارات...

8-    حين تجادل الغربي او غير المؤمن لن تستطيع ان تجادله بادلة من الكتاب والسنة لأنه لا يعترف بهما.. على سبيل المثال اخبرتني احدى الاخوات انها اشترت كتاب الرجال من المريخ والنساء من الزهرة للرد على ادعاءات جمعية المساواة بين المراة والرجل فهم لا يتقبلون منا ان حاورناهم بالكتاب والسنة لانهم لا يؤمنون بهما ولا سبيل للرد عليهم الا بما يدعون انهم يؤمنون به الا وهو العلم.. اي نعم قد يحتوي هذا الكتاب على بعض المخالفات لديننا ولكن تعتبر الأخت نفسها قادرة على تمييزها.. فكلنا يجب ان نملك ثقة هذه الاخت بنفسها..

9-    كتب التنمية الذاتية مميزه باسلوبها السهل والعلمي وليس مضمونها فقط وهي مفيدة فعلا في التغيير والنجاح فلا اظن ان كتابات ستيفن كوفي عن تنمية المهارات وتنظيم الوقت التي درست في معظم بلاد العالم واعطت اكلها هي من الكتب التي يمكن الاستعاضة عنها بما ورد في تراثنا الديني.. لا ننس ان عصرنا اليوم عصر سريع .. فيه ضغط العمل.. فيه ضرورة التزام بمواعيد.. اي تاخير عن تسليم المنتج قد يؤدي لخسارة ملايين الدولارات..  لقد ظهرت تقنيات جديدة.. اصبحت الحياة اكثر تعقيدا.. والشخصيات مركبة اكثر.. لم يعد يكفينا النموذج الواحد الذي تكرره الكتب الاسلامية عن شخصيات الصحابة المثالية الذين عاشوا في بيئة غير بيتئنا اليوم.. بيئة لم يكن يعمل الانسان فيها 18 ساعة في اليوم.. لم يكن فيها ضرورة استغلال كل ثانية.. لم يكن فيها كيفية التوفير والانتاج الامثل..

10-تبقى النقطة الاخيرة في كيفية التعامل مع الكتابات غير المحايدة والتي تعترف انها معادية للدين من امثال كتابات فرويد وماركس وداروين فاقول ان حتى هؤلاء ساهموا في اثراء البشرية من حيث لا يعلمون.. ان لم يكن بنظرياتهم فبالنظريات التي اثيرت ردا على نظرياتهم... ان الكاتب الوحيد والمفكر الوحيد الذي انصح بعدم قراءة كتبه هو كل كاتب متجرد عن الموضوعية والنفس العلمي الجدي من امثال سلمان رشدي او اي حاقد على الاسلام يخصص وقته لكتابة التفاهات والسخرية.. اما من قاده فكره القاصر عن شمولية الحق الى اعتناق او اختراع مبدأ ضال عن جادة الصواب فاين المشكلة في الاطلاع على ما قال وفهم جذور واسباب هذا المذهب.. لو لم يكن في كتابات هؤلاء المفكرين من قيم جذابة (حتى لو كانت خادعة ببريقها احيانا) لما اجتذبوا هذه الشهرة على مدى التاريخ.. ان عدونا ما تفوق علينا الا لانه تعلم علومنا واقتبس منا.. ولانه درس طريقة تفكيرنا وكيفية محاربتنا.. عرف اثر القرآن في نفوسنا فابعدنا عنه.. وكذلك ابليس هو اكبر خبير نفسي عرفته البشرية فهو يعرف مكامن ضعفنا والثغرات التي يتسلل منها الينا.. فهل نعجز ان نقوم بالمثل ايضا؟ وكيف نخترع الترياق ان لم نعرف السم؟ عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "كان الناس يسألون رسول الله عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني"

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة