الاقتصاد الإسلامي.. هل هو المخرج؟

يتكون الاقتصاد الإسلامي المعاصر من شقين: حقيقي ومالي، ويتمثل الشق الحقيقي من الاقتصاد العيني، أي القطاعات الإنتاجية – السلعية والخدمية- من زراعة وتعدين وصناعة وتشييد وبناء وصحة وتعليم ونقل وتخزين وغيرها. ويتشكل المالي من النظام المصرفي، الذي يشم البنك المركزي والمؤسسات النقدية، أي: البنوك وشركات التأمين وسوق المال. وتتكون البنوك من بدورها من بنوك تجارية وبنوك متخصصة "استثمارية" بالأساس، وأي خلل في أحد الشقين ينتقل بالضرورة إلى خلل مماثل بل أعمل في الشق الآخر.

فنحن نعلم أن النظام المصرفي بالنسبة للاقتصاد المعاصر بمثابة القلب من الجسد، وأن النقود، أي: السيولة، تعد بمثابة الدم الذي يضخه القلب المصرفي في عروق، أي أنشطة، هذا الجسد الاقتصادي. ولضمان هذه الوظيفة الحيوية والحياتية يفترض أن تخضع كافة المؤسسات النقدية لإشراف ورقابة البنك المركزي. فالعمل المصرفي يقوم بصفة رئيسية على "الوساطة المالية" بين المدخرين والمستثمرين, ويتأسس هذا العمل على "قواعد" الفن المصرفي. ومن هنا، تأتي الأهمية القصوى لدور البنك المركزي في التأكد من حرص المؤسسات النقدية على الالتزام بهذه القواعد.

تشخيص الأزمة

البديل الإسلامي للمعالجة

الربا والفائدة المصرفية

التمويل الإسلامي.. طبيعة عمل البنوك

جدوى التمويل الإسلامي 

قواعد الفن المصرفي

وتتمثل القاعدة الثانية في إدارة "جيدة" لمخاطر الائتمان أو التمويل. فبالنسبة قليلة السيولة أو المثمرة، يجب على البنك أن يتوخى في تكوينها تقليل المخاطر قدر الإمكان. فيكون محفظة أوراقه المالية من أوراق "جيدة" ويختار عملاءه "المقترضين" أو "المشاركين" بدقة وفقا لمعايير معروفة من استعلام عن العميل، خاصة مركز المالي وسمعته الائتمانية أو المالية، بل سمعته الشخصية بالإضافة إلى أخذ ضمانات كافية، أي رهن يغطي قيمة القرض أو التمويل، إن لم يزد عنها، للرجوع إليه عند عدم السداد في تاريخ الاستحقاق، هذا ما يطلق عليه: "إدارة مخاطر الائتمان أو التمويل".

تشخيص الأزمة

ومن ثم، وقعت الأزمة المالية الحادة في الاقتصاد الأمريكي، والتي امتدت إلى الاقتصاديات الأوروبية، فاقتصاديات آسيا واليابان والصين، ثم الاقتصاديات النامية وتنذر الأزمة، رغم خطط الإنقاذ، بعد أن دخلت هذا الاقتصاديات في مرحلة "ركود" حاد بكساد عالمي يصغر أمامه تماما "الكساد العالمي العظيم" في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن الماضي.

وساعد على هذا الوضع المتأزم العديد من العوامل أهمها:شبه غياب الرقابة من قبل السلطات النقدية على العمل المصرفي خاصة بنوك الاستثمار والتي لم تتقيد بالقواعد المصرفية رغم علم السلطات بهذه الحقيقة.اشتداد المضارات أي:المقامرات المحمومة في "وول ستريت" وأسواق المال في أوروبا وبقية دول العالم والتي تصاعدت بلا ضابط ولا رابط ولا منطق مما أدى على تقلص الثقة في السوق وبالتالي في الاقتصاد.

فساد الإدارة العليا في كثير من هذه المؤسسات مما جعلها لا تهتم كثيرا بالقواعد المصرفية قدر اهتمامها بالمرتبات والمزايا الخيالية التي تتقاضاها وتتمتع بها (مثال على ذلك مرتبات ومكافآت رئيس بنك "ليمان براذر" والتي بلغت 486 مليون دولار عن عام 2007 وعملية "مادوك" في النصب الاستثماري والتي بلغت 50 مليار دولار).

ووصل النظام المصرفي الأميركي في النهاية إلى درجة من فقدان "الثقة" أدت إلى حالة "تجمد ائتماني" فلا يوجد أي إقراض أو اقتراض بين البنوك، ولا يوجد أي إقراض لقطاع الأعمال أو المستهلكين، ومن ثم، توجد حالة شلل يكاد يكون كاملا في التيارات النقدية "المحركة" للتيارات الحقيقية، أي للنشاط الاقتصادي العيني خاصة، إذا أضفنا على ذلك الإحجام شبه الكامل من المستهلك الأميركي عن الإنفاق خوفا من المستقبل، واحتياطا للطوارئ.

محاولات المعالجة

وتتلخص جذور الأزمة في فوضى الجهاز المصرفي. وعليه، لإعادة الانضباط إلى هذا الجهاز كي يؤدي وظيفته الحيوية يجب تقويم وتطوير قواعد عمل الوحدات المصرفية وأدوات الرقابة عليها، ومحاسبة المسئولين عن هذه الأزمة، ثم العودة إلى سياسات مصرفية منضبطة حول السيولة والعائد، ومخاطر الائتمان، وكفاية رأس المال، ووقف المضاربات، أي المقامرات، وبخاصة المشتقات والاستمرار في ضخ السيولة في شرايين الاقتصاد حتى لا تنهار أساسيات القاعدة الإنتاجية.

إذ أن الأزمة تجاوزت "كل" الترتيبات السابقة، بما في ذلك اتفاقية "بريتون وودز"، والتي كانت تهدف إلى تحسين أداء الأنظمة المصرفية، والنظام المالي العالمي. ولعل القمم الأوروبية، والأوروبية الآسيوية، والأوروبية الأميركية مع بعض الدول النامية، وأخيرا قمة مجموعة العشرين لبحث الإصلاح المصرفي والمالي في العالم تسير إلى هذا الاتجاه.

وبالرغم من أهمية هذه القرارات، والتي يتوقف أثرها في النهاية على جدية وصرامة التطبيق يبقى البعد الإسلامي أي التمويل الإسلامي، كمخرج عملي تشغيلي فاعل من هذه الأزمة، وكعلاج ناجع لجذورها ومسبباتها، غائبا تماما من قرارات هذه اللجنة. وعليه، تقدم هذه الورقة نبذة مختصرة عن هذا البديل العملي، لعل السلطات النقدية في كل دولة من دول عالمنا المعاصر، إن لم تكن قد فكرت بالفعل في الأخذ به، أن تأخذ به، ولو جزئيا، لترميم وتصحيح ما تمارسه في عملية تمويل الاقتصاد الحقيقي.

بداية، لا يرفض البديل الإسلامي جوهر المعالجات المطروحة على المستوى القطري، أو على الصعيد العالمي من ضرورة رفع كفاءة الجهاز المصرفي لكي يؤدي وظيفته الحيوية في حشد الأموال من المدخرين وتوظيفها في استثماراتها حقيقية في الاقتصاد العيني، وقيام السلطات النقدية أي البنك المركزي، بدورها الرقابي والتفتيشي على تنفيذ السياسات المصرفية، واستمرار ضخ السيولة في شرايين الاقتصاد حفاظا على القاعدة الإنتاجية وتنميتها، وإعادة للثقة في السوق، والعمل على إصلاح النظام المالي الدولي ودعم مؤسساته، وأخيرا محاربة جادة ومستمرة للفساد في الأجهزة المصرفية.

طبيعة الاقتصاد الإسلامي

بل تعتبر "القيم" الإسلامية المحرك الرئيس لفاعليته فهو اقتصاد "محمل" بالقيم، وليس بالقطع "محررا" منها، فهو اقتصاد يستند في تحليله على الإنسان الأخلاقي واليد المتوضئة واقعيا، وليس على "الرجل الاقتصادي" واليد الخفية نظريا كما في النظام الرأسمالي، أو " الترس الاجتماعي" واليد الباطشة أيديولوجيا كما في النظام الاشتراكي. وعليه، يقوم الاقتصاد الإسلامي على ركيزة أخلاقية واضحة، أو "شفرة أخلاقية" أضاعتها الأنظمة الوضعية منذ زمن بعيد، كما يؤكد بعض الكتاب الغربيين، تهدف إلى الاهتمام الأكبر "بالناس". ومن ثم، جاء الإسلام ومنهجه في الاقتصاد والتنمية والتمويل حربا جادة ومستمرة وناجحة على كل صور الظلم الاقتصادي، أي الاستغلال والمستغلين من خلال تحريم صريح وقاطع: للربا والغرر (الجهالة في التعامل)، والاحتكار والاكتناز، والإسراف والتقتير، والتطفيف والبخس، والغش والتدليس، والرشوة والمحسوبية، إلى آخر كل صور أكل أموال الناس بالباطل، أي كل صور الممارسات الخاطئة في النشاط الاقتصادي إنتاجا وتوزيعا واستهلاكا.

لعل أبشع وأشنع صور أكل أموال الناس بالباطل هي "الفائدة" أي الربا. وهي أساس التمويل المعاصر. والربا لغة هو الزيادة، واصطلاحا هو الزيادة، بغير عوض، أي: مقابل في عقود المعاوضات، أي: المبادلات فهو "الزيادة" في المال، نقودا كانت أو منتجات اقتصادية (طيبات) مثلية، نتيجة دين أو تبادل في المثليات. ويعرف ربا الدين –اتفاقا- بأنه الزيادة في أصل الدين مقابل الأجل، سواء كانت مشروطة ابتداء أو محددة عند الاستحقاق للتأجيل في السداد. والربا بصفة عامة محرم تحريما باتا قاطعا في كافة الأديان السماوية. وجاءت كتابات كثير من المصلحين الاجتماعيين والاقتصاديين في هذا الخصوص متفقة تماما مع هذا التحريم.

والربا هو أساس عمل البنوك التقليدية التي تتعامل بالفائدة أخذا وعطاء، أي التي تسير وفقا لنظام المداينة بفائدة. فتتكيف العلاقة بين البنك والمتعاملين معه يحكمها "عقد القرض" بفائدة. فالمودعون مقرضون، والبنك مقترض نظير فائدة يدفعها، باستثناء الودائع الجارية التي لا يدفع لأصحابها فائدة عادة. ويد البنك على كل الودائع "يد ضمان"، أي يضمن أصل الوديعة والفائدة على الودائع غير الجارية. ثم يقوم البنك بإقراض الأموال التي تجمعت لديه للتجار والمنتجين والمستثمرين وأيضا المستهلكين. والبنك هنا مقرض ومستخدمو الأموال مقترضون. ومن ثم، فيدهم هي "يد ضمان" أي يضمنون أصل ديونهم والفوائد عليها. والفرق بين مجموع الفوائد التي يحصل عليها البنك من مستخدمي موارده المالية ومجموع الفوائد التي يدفعها للمودعين يمثل العائد الصافي للبنك. وهذا النظام هو عين الربا. إذ أن عائد استخدام الدين إذا تحقق يحل للمدين لأنه "ضامن"، ولا يحل للدائن على أساس المبدأ الإسلامي الذي ينص على أن "الخراج بالضمان"، أي العائد لا يحل إلا نتيجة تحمل المخاطر. والمقرض عكس المشارك، لا يتحمل مخاطرة. فهو غانم دائما لا يغرم أبدا، سواء كسب المقترض أم خسر. وهذا يصطدم مع المبدأ الإسلامي القائل بأن "الغنم بالغرم". الذي يحكم حركة المال، أي أن المال لا يكون غانما، أي كاسبا أو رابحا، إلا إذا كان هناك احتمال الغرم أو الخسارة. ولا يعرف الإسلام تأكيدا لتكافل اجتماعي حقيقي سوى "القرض الحسن"، أي القرض بلا عائد، تأسيسا على المبدأ الإسلامي القائل "أي قرض جر نفعا مشروطا فهو ربا". وإذا كان على رب المال مسؤولية تنمية ماله وتثميره، فعليه أن يقوم بهذه التبعة من خلال الاستثمار الإسلامي الحقيقي المخاطر، بالاشتراك بماله فعلا في النشاط الاقتصادي العيني، وتحمل نتيجة هذا الاشتراك ربحا أو خسارة.

إذا الفائدة هي عين الربا. كما أنها تعد في رأي جمهور من الاقتصاديين الغربيين، السبب الرئيس في سوء تخصيص واستخدام الموارد، وبالتالي تعد مسئولة عن "عدم الاستقرار" النقدي والمالي والاقتصادي في الاقتصاد المعاصر.

بل أكثر من ذلك، أكدت استقصاءات أجراها "ميد" و"أندروز" أن رجال الأعمال يعتقدون أن سعر الفائدة ليس عاملا يذكر في تحديد قرار ومستوى الاستثمار، أي أن الطلب على الاستثمار يعد "غير مرن" بالنسبة لسعر الفائدة، وذلك لعدة أسباب. منها كون سعر الفائدة يمثل نسبة ضئيلة من نفقة إحلال الاستثمار الجديد خاصة في حالة التقادم السريع، ومنها اعتماد كثير من المشروعات على التمويل "الذاتي"، مما يجعل أثر سعر الفائدة كنفقة ضمنية على المال المستثمر محدودا، ومنها أيضا في حالة الكساد الحاد، تكون توقعات المنتجين والمستثمرين بالنسبة لمستقبل النشاط الاقتصادي متشائمة، ومن ثم لن يقدموا على الاستثمار، حتى لو كانت تكلفته، أي سعر الفائدة، صفرا.

وليس الوضع أفضل حالا إذا ما تغيرت أسعار الفائدة. إذ يقع الظلم نتيجة هذا التغير تارة على المستثمرين (المقترضين) وتارة على المدخرين (المقرضين)، مما يؤدي في النهاية إلى تباطؤ التكوين الرأسمالي. كما أكدت ذلك دراسة قام بها "ليبلنج" للتجربة الأميركية، خلال الفترة 1970-1978. فارتفاع أسعار الفائدة كان مانعا كبيرا من الاستثمار، وانخفاضها شجع على الاقتراض للاستهلاك، وعلى تدني نوعية الاستثمار. وأدى في النهاية، كما أكد أحد تقارير "الجات" إلى سوء استخدام رأس المال، وإلى هبوط مستمر في معدل التكوين الرأسمالي.

ويرجع "سيمونز" السبب الأساسي للكساد العالمي العظيم في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن الماضي إلى "تغيرات الثقة التجارية الناشئة عن نظام ائتماني غير مستقر". وأكد اعتقاده بأن خطر الاضطراب الاقتصادي يمكن تفاديه إلى حد كبير، إذا لم يتم اللجوء إلى الافتراض، ولا سيما قصير الأجل، وإذا ما تمت الاستثمارات كلها في شكل تمويل ذاتي، وبالمشاركة، أي من خلال أدوات ملكية الحصص والأسهم. وحول المعنى نفسه، شدد "مينسكي" على حقيقة أن قيام كل مشروع بالتمويل الذاتي لرأسماله العامل، والتخطيط الرشيد لاستثمار أرباحه غير الموزعة، يفرز نظاما ماليا قويا، ولكن لجوء المنتجين إلى التمويل عن طريق الاقتراض يعرض النظام لعدم الاستقرار. ولقد أيد ذلك "ميلر" من خلال دراسة ميدانية، وأكده "تيرفي" بقوله أن سعر الفائدة لا يصلح، ولم يكن مناسبا لقرارات الاستثمار. وعليه، فهو يرى وجوب أن يحل محله سعر الأصول الحقيقية الموجودة، أو المستوى العام لأسعار الأسهم، ومن ثم تكون لدينا نظرية عامة تحتل فيها أسعار الأصول الحقيقية، لا الأصول الورقية، مركز الصدارة. إذن، فالآلية الحقيقية هي "الربح" وليس "الفائدة". وهذا ما أكده الاقتصاد الإسلامي، وقامت عليه المصرفية الإسلامية، ويتأسس عليه التمويل الإسلامي.

تأسيسا على حرمة الربا، وعلى حقيقة أن "الفائدة هي عين الربا"، واتساقا مع أن الآلية ذات الجدوى لإدارة النشاط الاقتصادي المعاصر هي "الربح" وليس الفائدة، إيمانا –قبل ذلك وبعده- باستحالة أن يكون فيما حرمه الله سبحانه شيئا لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه، قام التمويل الإسلامي من خلال المصرفية الإسلامية، أي البنوك الإسلامية. وهذه البنوك تعد نوعا خاصا من البنوك المتخصصة، سواء من حيث طبيعتها، أو من حيث تفاصيل عملها. فهي تقترب من بنوك الاستثمار والأعمال، أو بنوك التنمية، ولكنها أيضا تقبل الودائع الجارية. فهي بمثابة "البنوك الشاملة".

أن الشريعة الإسلامية ليست أقوالا أو نصوصا أو طقوسا فحسب، بل هي بالأساس عمل وممارسة وحركة وسلوك، وأنها صالحة لكل زمان ومكان.

أن قرارات –أي: أي فتاوى- المجامع الفقهية في العالم الإسلامي بشأن الفوائد المصرفية قاطعة بحرمتها بنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

لا ضرر ولا ضرار: بمعنى النهي عن إيقاع الأذى بالنفس أو بالغير أو بالمال. فالأصل في التصرف هو مراعاة الحقوق والواجبات، وذلك مرهون بتجنب الضرر والضرار، وبانتفاء صفة الفساد في النشاط الاقتصادي.

الأصل في النقود أن يُتاجر بها كأداة في النشاط الاقتصادي، ولا يتاجر فيها كسلعة.

الخراج بالضمان، والغنم بالغرم: أي أن العائد لا يحل إلا نتيجة تحمل المخاطرة واحتمال الخسارة.

العمل مصدر أصيل للكسب. ومن ثم، الأجر جزاء العمل بأجر. والجزء الشائع من الربح مكافأة للعمل المخاطر.

ويمكن تبيان طبيعة عمل البنك، بصورة مبسطة، من خلال تطبيق مزدوج لعقد "المضاربة" الشرعي. وهذا العقد هو نوع من الشركة في الربح بين طرفين: رب المال، والعامل في المال أ المضارب، على أن تكون حصة كل منهما جزءا شائعا معلوما متفقا عليه ابتداء عند التعاقد. فمثلا، إذا تحقق الربح يكون لرب المال (50%) وللمضارب (50%) أو (60%) للأول و(40%) للثاني، أو العكس، كما يتفقا، على أساس المبدأ الإسلامي القائل "المؤمنون عند شروطهم، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا". وإذا وقعت خسارة يتحملها بالكامل رب المال، وهذا هو شق المخاطرة الذي يحل نصيبه في الربح إذا تحقق، ويخسر المضارب جهده، وهذا أيضا يمثل المخاطرة التي تبرر نصيبه في الربح إذا تحقق. فالطرفان يخاطران، الأول بماله، والثاني بجهده. والمضارب في حكم الوكيل، أمين على المال، أي يده "يد أمانة"، لا يضمن إلا إذا قصر أو بدد. ويجوز لرب المال أن يأخذ "رهنا" من المضارب، حتى يستوفي حقه منه في حالة التقصير أو التبديد.

صيغ وأساليب الاستثمار الإسلامي

عقود الشركة

المشاركات

وفقا لطبيعة الأصول الممولة: مشاركات جارية ومشاركات رأسمالية.

وفقا لأجل المشاركة: مشاركات قصيرة الأجل ومشاركات طويلة الأجل.

وفقا للغرض أو مجال التمويل: مشاركات تجارية، أو صناعية، أو مقاولات، أو استيراد أو تصدير.. إلخ.

صيغ الأرباح:

وفقا لحرية المضارب في التصرف: مضاربات مطلقة ومضاربات مقيدة.

وفقا لمصدر التمويل: مضاربات غير مخلوطة، المال فيها من طرف واحد، ومضاربات مخلوطة، أي يسمح للمضارب بخلط مال المضاربة بماله.

وفقا لأجل المضاربة: مضاربات قصيرة ومضاربات طويلة الأجل.

" المساقاة": تشمل هذه الصيغ أيضا عقود "المساقاة" أو المساقات، بالشروط نفسها مع استبدال الأشجار بالأرض.

عقود البيوع:

بيع العين بالعين، أي: مبادلة سلعة بسلعة ويسمى "بيع المقايضة".

وينقسم بيع العين بالثمن، أي مطلق البيع إلى أربعة أقسام فرعية وهي:

بيع التولية: وهو بيع "بمثل" ثمنها الأول الذي اشتراها البائع به تماما.

وتسمى الثلاثة الأخيرة – أي التولية والوضعية والمرابحة- بيوع "أمانة" لاشتراط معرفة المشتري للثمن الأول للسلعة. ولقد استخدمت البنوك الإسلامية بيع المرابحة "الآجل" ولكن بصورة معدلة، وهي "بيع المرابحة للآمر بالشراء"، أي: أنها تشتري السلعة لمن يطلبها، وفقا لمواصفات محددة، ثم تبيعها له مرابحة بالأجل.

بيع السلم، ويتم دفع الثمن كاملا عند التعاقد إلى البائع الذي يلتزم بتسليم سلعة معينة مضبوطة بصفات محددة كما وكيفا في أجل معلوم.

بيع الثمن بالثمن، أي: مبادلة نقد بنقد ويسمى "بيع الصرف" وهو عملية تبادل العملات بعضها ببعض في سوق الصرف الأجنبي. وهو بيع جائز شريطة أن يكون ناجزا، أي حالاًّ.

عقود الإجارة:

وتأخذ البنوك الإسلامية بالإجارة على المنافع من خلال نوعين:

الإجارة التمليكية: وتسمى بالتأجير التمويلي أو البيع التأجيري. وهذه المسميات تبرز الصفة الرئيسية لهذا النوع، وهي إمكانية تملك المستأجر للأصل في نهاية مدة الإجارة فهي إجارة بشرط البيع. فالبنك يشتري الأصل هنا لتلبية طلب مؤكد من العميل بتملك الأصل عن طريق الإجارة المنتهية بالتمليك. وهي طويلة الأجل نسبيا. فيدفع البنك بالأصل للعميل مقابل مدفوعات إيجارية "أقساط" في آجال محددة متفق عليها على مدة فترة التعاقد، بحيث تغطي المدفوعات قيمة شراء البنك للأصل، بالإضافة إلى ربحه. وعليه عند انتهاء مدة الإجارية، لا يبقى في ملكية البنك، وإنما ينتقل إلى ملكية المستأجر على سبيل "الهبة" أو البيع مقابل مبلغ رمزي أو حقيقي حسب الوعد المقترن بالإجارة. ووفقا لهذا العقد يتحمل المستأجر تكاليف التأمين والصيانة والإصلاح والإهلاك.

بعد تحديد صيغ الاستثمار الإسلامي الرئيسة المستخدمة في البنوك الإسلامية، أي: في التمويل الإسلامي، والتي تشير بوضوح إلى ثراء الفقه الإسلامي، يتعين تأكيد ضرورة الاستمرار في تطوير أدوات التوظيف، وتحديث "المنتجات: المصرفية الإسلامية، لتتماشى دائما مع مستجدات العصر وتغيرات ظروف المكان والزمان. كما يجب التشديد على حقيقة أن فقهاءنا لم يقولوا بهذه العقود على سبيل الحضر، بل قالوا بفكرة العقود "غير المسماة" بمعنى أنه إذا اتفق طرفان على صيغة عقد لم يتضمنه التراث الفقهي ولا يتعارض مع نص إسلامي أو موقف واضح من حيث الحل والحرمة فهي صيغة صحيحة شرعا على أساس أن "الأصل في الأشياء الإباحة" وأن "الحكمة ضالة المؤمن" وهو أولى بها، كالما لا تحل حراما أو تحرم حلالا. ولعل هذا الانفتاح المقصود من السمات المهمة التي أعطت لهذه الشريعة الغراء القدرة اللازمة والمرونة المناسبة – في المعاملات – لمقابلة الظروف المتغيرة والمتجددة والمتطورة.

وعليه، يقوم التمويل الإسلامي من خلال المصرفية الإسلامية بالاستثمارات الحقيقية قصيرة الأجل وفق صيغ المشاركة قصيرة الأجل، والمضاربة قصيرة الأجل والمزارعة والمساقاة وبيوع الأجل والمرابحة للآمر بالشراء والسلم والاستصناع والتأجير التشغيلي. كما يقوم بجانب الاستثمار المباشر في تأسيس الشركات والمساهمة في تأسيسها بالاستثمارات طويلة الأجل وفق صيغ المشاركة طويلة الأجل والمضاربة طويلة الأجل والاستصناع والتأجير التمويلي.

وعليه، أثبت التمويل الإسلامي ممثلا في البنوك الإسلامية كبنوك تنمية أو شركات استثمار حقيقي مخاطر طويل الأجل، بعيدة تماما عن الاستثمار الورقي ومشتقاته ومقامراته جدواه المصرفية والاقتصادية والإنمائية. ولقد ظهرت هذه البنوك وازدهرت بمعدلات نمو متسارعة محليا وإقليميا ودوليا خلال فترة وجيزة لا تتعدى نحو ثلث قرن حيث إن أول مؤسسة نقدية إسلامية أنشئت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي وتحديدا عام 1975.

ولعلم عوامل نجاح التمويل الإسلامي يتمثل أساسا فيما يلي:

الاعتراف بجدوى التمويل الإسلامية: اعترافا بجدول البنوك الإسلامية وخشية أن تتسرب ودائع البنوك الربوية إليها سارعت الكثير من هذه البنوط في الدول النامية المتقدمة إلى إنشاء فروع لها للمعاملات الإسلامية أو "شبابيك" للتعامل الإسلامي بل إن بعضها أنشأ بنوطا إسلامية كاملة مستقلة عنها كسيتي بنك وتشيس في البحرين وهناك ما لا يقل عن 40 بنكا إسلاميا ومؤسسة نقدية إسلامية في الولايات المتحدة الأميركية وحدها. كما أن هناك بنوكا إسلامية وفرعا وشابيك للمعاملات الإسلامية في المملكة المتحدة والدنمارك وألمانيا والنمسا وفرنسا وليس هذا بالقطع إيمانا عقديا بالفكرة وإنما استغلالا لجدواها المصرفية والاقتصادية.

خاتمة

ولقد ظهر هذا واضحا ومتزايدا في المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا والنمسا وإيطاليا والفاتيكان. فهل لنا كدول إسلامية أن نعتز بهويتنا ونفجر بمنهجنا ونسارع بتطبيق "كامل" وحقيق للنمط الإسلامي في التمويل والتي حالت هذه الورقة أن تقدم مختصرا لأساسياته. ومن ثم نشجع الآخرين بأن يحذو حذونا. إنقاذا للاقتصاد العالمي من الأزمة الطاحنة التي يمر بها ومحاولة بالتالي لإسعاد البشرية جمعاء؟ّ

إذ يقول سبحانه "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. (البقرة: 278 – 279) صدق الله العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
2 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة