الاطار العام للنقاش مع الملحد

بسم الله الرحمن الرحيم

 فيما يلي ساسوق لكم بعض المبادىء والقواعد التي تحكم نقاشنا مع الملحد ان شاء الله.

1- التفريق بين التناقضات واختلاف الاذواق

في حياتنا العادية نفرق بين اختلاف الاذواق وبين الخلافات المبدأية .. بمعنى انك تستطيع ان تتفهم ان فلانا يحب اللون الاحمر فيما تحب انت الابيض.. لكنك لا تستطيع ان تقبل ان يقول لك ان الثلج احمر وان الدم ابيض.. وبالمثل في القضايا الدينية نجد ان معظم ما يظنه الملحد حقائقا تدحض ديننا ما هي الا اذواق او آراء شخصية له.. ولو تركنا الحكم للهوى الشخصي او الذوق في اثبات او نقض ما يصل الينا من حقائق فلن يكون لكلامنا اي قيمة فعلية على ارض الواقع الا بمقدار التأثير فيمن يملكون نفس ذوقنا واحساسنا..

وما قلناه آنفا يطبق في المحاكم حيث لا ياخذ القاضي او المحامي بالكلام كدليل (وهو ما يعرف بكلمة ضد كلمة) بل يبني حكمه او مرافعته على حقائق ثابتة وملموسة وعلى ادلة وبراهين.. مثال: اذا انا رفعت قضية ضد فلان انه اساء الي وهو انكر ذلك.. فالمحكمة لن تاخذ بكلامي في الاتهام ولا بكلامه في دفع الاتهام بل ستأخذ بالحقائق فان كانت هذه الحقائق غير موثقة ولم يطلع عليها شهود فالقضية ستغلق لعدم كفاية الادلة.

وهنا تجادل الكاتبة في موضوع الخمر وتستغرب لم حرمه الاسلام.. فهي في نظرها انه قليل من الخمر يشرح قلب الانسان.. وايضا هي ولا شك تعترض على الحجاب.. ولها مآخذ ربما على طريقة آداء الصلاة.. لكن لم تتعب الكاتبة نفسها في شرح اين مجافاة المنطق فيمن اختار الخيار المعارض لها؟؟ ام تراها يا ترى تعتبر ان كل ما يعارض ذوقها وهواها هو ضد المنطق وضد العقل؟؟؟

2- الشبهات لها وجهين: غرابة أو اعجاز

لا زلت اذكر حينما كنت صغيرا في سن السادسة واخبرني صديقي  يومها ان الملح يستخرج من البحر فضحكت عليه وعلى غبائه اذ لم ار اي منطق في هذا الادعاء فالملح كسائر المأكولات التي اعرفها لا بد وانه مستخرج من نبات معين.. الا ان والدتي حفظها الله ما لبثت ان اكدت لي ما قاله لي صديقي فصدمت صدمة عنيفة لا تزال ترافقني الى الآن بدليل اني ما زالت اذكر هذه الحادثة حتى الآن في حين طوى النسيان كثيرا من الامور الاخرى .. الصدمة هي صدمة انسان يكتشف لاول مرة ان الاحكام التي يقتنع بها بشدة قد لا يكون لها اسس منطقية متينة بل هي مجرد انطباعات استقرت في ذهنه لكثرة ما الفه من احداث شبيهة.. فالإنسان قد لا يصدق وجود غراب ابيض لان كل الغربان التي يعرفها سوداء حتى يصادف بنفسه غرابا ابيضا مثلا.. وقس على ذلك. والشبهات التي تهاجم الاسلام هي كلها من هذا النمط: اشياء غير مألوفة لم يعتد الكل عليها لاختلاف بيئتهم ولكنها في طياتها قد تحمل نتائجا عكس ما يتخيله الملحد تماما.. فبدلا من ان تكون الشبهة دليلا على نقض هذا الدين قد تكون دليل اعجاز هذا الدين... لأعطي مثلا بسيطا على ذلك فان الغربيين انتقدوا القرآن الكريم لأنه سمى حاكم بلد مصر باسم الملك في حين انه يسمى بفرعون في كتبهم المقدسة حتى جاءت الابحاث التاريخية واكدت ان يوسف عليه السلام عاش في فترة الملوك الهكسوس وهي فترة قصيرة سقطت فيها مصر الفرعونية بيد غزاة من البدو.. فتحولت القضية من شبهة الى اعجاز.

3- النفي صعب اما الاثبات فسهل

وهذا قانون رياضي معروف اذ كي تثبت ان شيئا ما هو موجود يكفي ان تأتي به او تبرهن على وجوده اما كي تنفي وجود شيء فليست القضية بهذه السهولة... مثال: كي تثبت ان هناك طيورا ثديية بامكانك ان تاتي بخفافيش.. ولكن كي تنفي وجود مخلوقات فضائية او الارواح او الجن مثلا فهذا ليس في متناول اليد فمجرد عدم رؤيتهم لا يدل على نفي وجودهم.. وعادة اثبات النفي لا يمكن الا يكون عقليا (اثبات تناقض الوجود مع امر مثبت الوجود).

وكمثال على ما نقول: نحن كمؤمنين عندنا عشرات الادلة على وجود الله من ادلة عقلية وحسية وفطرية ووجدانية بالمقابل لا يملك الملحد ولا نصف دليل على نفي وجوده فكما بينا ادلة النفي لا يمكن ان تكون الا عقلية بحته والعقل لا يحيل وجود إله بل على العكس يجيزه ويوجبه.. ومن هنا فرار معظم الملحدين من فكرة النفي الى فكرة الشك.. فكما ترون هنا الكاتبة لا تنفي وجود الله بل تشك بوجوده فتقول

"ولم تكن يعنيني كثيرا حفظ تلك الاية التي تحثني على حمد الله وطاعته رغم عدم تأكدي من وجوده اصلاً"

كما تشك بوجود الشيطان لانها لا تملك دليلا على نفيه...

فحين يصير مسرح حياتنا متمحوراً على مفترق طرق بين مخافة الله التي تجعلنا نعيش في جلباب الماضي ونسيان حاضرنا ومستقبلنا ، وبين لادينيتنا واتباعنا لطريق الشيطان ( هذا ان كان هنالك شيطان اساساً ) هو همنا الشاغل ..فعلى الدنيا السلام

4- التفريق بين النظريات العلمية والحقائق العلمية

وهذا ايضا شيء سهل على الشرح والاستيعاب.. فالارض كروية.. هذه حقيقية علمية مثبتة بالتجارب والحس خاصة مع وجود صور الاقمار الصناعية.. ربما كان هذا الموضوع نظرية علمية في يوم ما ولكنه ارتقى مع الوقت لمرتبة الحقائق.. اما نظريات فرويد في علم النفس فهي ليست حقائق علمية انما هي مجرد نظريات طرحها رجل ما لتفسير بعض الاحداث المعينة وكذا الامر فيما يتعلق بنظرية داروين عن النشوء والارتقاء فلا يصح بعد ذلك ان تعتبر هذه النظريات التي لم تثبت اصلا ادلة او حججا ضد الدين علما انها حتى لو ثبتت (وهي لن تثبت) فهي ليست حجة للالحاد ضد الدين لأن مجالها تفسير الكيف والدين مجاله تفسير اللماذا كما سيمر معنا فيما يلي..

5- النظريات العلمية تكتسب قوتها من قدرتها على تفسير النتائج

بمعنى ان مقدار مدى قبول النظريات العلمية يتوقف على قدرتها على تفسير امور معينة والتنبؤ بها.. مثلا نظرية النسبية ( على غرابتها لجهة اعتبار الزمن والمكان خصائصا للشيء المتحرك تتمدد وتتقلص حسب اقتراب سرعته من سرعة الضوء) نجحت في تفسير ظواهر عديدة وبنيت عليها اختراعات مهمة تختص بالجزئيات والتفاعل النووي.. وقوانين نيوتن عن الجاذبية  فسرت كيفية سقوط الاشياء نحو الاسفل وكيفية دوران الاجرام حول الشمس ومع ان الجاذبية مفهوم خفي وغير ملموس الا ان هذه النظرية وجدت قبولا عند العالم لنجاحها في تفسير هذه الظواهر.. فاذا كان هذا هو الحال في النظريات العلمية نسأل الملحد- الذي يدعي امتلاك العقلية العلمية- سؤالا بسيطا: اي نظرية تصلح ان تفسر نشوء الكون؟  نظرية الطبيعة غير العاقلة ام نظرية اله قادر قوي وعالم وجبار؟  نقول هذا مع يقيننا طبعا ان وجود الله يرقى لمستوى الحقيقة المطلقة ولكن نخاطب الملحد بمنطقه حتى نقيم عليه الحجة...

6- كثير من التفكر يردك الى الدين

على من يهاجم الاسلام ان يعرف ان هذا الدين ليس دينا تقليديا من صنع البشر ولا فلسفة مثالية مجنحة بل هو قانون رباني وضعه خالق البشر للبشر فهو يحتوي انسب القوانين التي تعطي افضل النتائج الاجتماعية.. وبالتالي طبيعي ان ياتي احيانا باحكام تقصر افهامنا عن استيعابها.. احكام تحتاج لكثير من التفكر حتى نصل الى الحكمة فيها.. وما اجمله من قول حينما رد احد الاخوة قولا يدعي ان حكم الرجم ليس انسانيا بقوله: نعم هو ليس انساني بل هو رباني.. واختم بكلام جميل قرأته في كتاب "قصة الايمان" للشيخ محمد نديم الجسر "الفلسفة بحر على خلاف البحور يجد راكبه الخطر والزيغ في سواحله وشطآنه، والامان والايمان في لججه واعماقه"... وهو قول ينطبق على كل شيء.. على الفلسفة والعلم والتفكر والحوار وكل وسيلة اخرى للمعرفة.. ان التعمق سيكشف امامك حقائقا جديدة وينير دربك وستكتشف ان الشكوك التي ساورتك هي عين الايمان .. طبعا ليست هذه دعوة لاتباع الفلسفة ولكن لدحض ما يشيعه الملحد من ان الفلسفة تقود حتما الى الالحاد فكما اثبت الشيخ الجسر في كتابه "قصة الايمان".. العقول السليمة تصل بالانسان الى شاطىء الايمان في النهاية.. والشك يوصل لليقين كما في تجربة ديكارت او الغزالي.. شرط ان يكون شكا منهجيا..

7- مجال العلم هو الكيف وليس اللماذا

كان الإنسان القديم يعرف أن السماء تمطر، لكننا اليوم نعرف كل شيء ممكن عن عملية تبخر الماء فى البحر  حتى نزول قطرات الماء على الأرض، وكل هذه المشاهدات صور للوقائع، وليست فى ذاتها تفسيرا لها، فالعلم لا يكشف لنا كيف صارت هذه الوقائع قوانين؟ وكيف قامت بين ألارض والسماء على هذه الصورة المفيدة المدهشة، حتى أن العلماء يستنبطون منها قوانين علمية؟ والحقيقة أن ادعاء الإنسان بعد كشفه لنظام الطيبعة انه قد كشف تفسير الكون - ليس سوى خدعة لنفسه، فإنه قد وضع بهذا إلادعاء حلقة من وسط السلسلة مكان الحلقة الأخيرة .

 وبهذه الحجة يتكلم القرآن الكريم فيقول: أفرأيتم الماء الذي تشربون(68)ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون(69)لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون(70) اي ان كل ما تدعوه من امتلاك وسائل العلم التي تقدم تفسيرا مقنعا لنشوء الكون لا يتعدى كونه تعداد القوانين الموجودة التي خلقها الله ليسير بها الكون. ولا يستطيع العلم ان يجيب عن اللماذا بل الكيف فقط. يقول لنا العلم كيف تحرق النار وما هي العوامل التي تساعدها في خاصية الاحراق ولكنه لا يستطيع ان يفسر لنا لماذا تحرق النار ولا تبرد ؟؟؟ ولماذا تعمل كل القوانين الطبيعية لمصلحة الانسان وليس ضده؟؟؟ ولماذا تكون مياه المطر عذبة لا مالحة كمياه البحر كما تقرر الآيات القرآنية.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة