الاسلام والوطنية

 

1- مفهوم حب الوطن في الإسلام
الأصل في الإنسان أن يحب وطنه ويتشبث بالعيش فيه، وحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجم، ويغضب له إذا انتُقص.
وأخرج الترمذي  بسندٍ صحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال في حق مكة عند هجرته منها: (ما أطيبك من بلدة وأحبك إلي ولولا أن قومك أخرجوني ما سكنت غيرك). وحيث أن حب الوطن غريزة في الإنسان، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم من ربه بأن يرزقه حب المدينة لما انتقل إليها، فقد أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد).
ومن حنين الإنسان إلى بلده، أنه إذا غاب عنها وقدم عليه شخص منها سأله عنها، يتلمس أخبارها، فهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  يسأل أُصيل الغفاري عن مكة لما قدم عليه المدينة، فقد أخرج الأزرقي في "أخبار مكة" عن ابن شهاب قال: قدم أصيل الغفاري قبل أن يضرب الحجاب على أزواج النبي فدخل على عائشة رضي الله عنها فقالت له: يا أصيل! كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيتضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك النبي فلم يلبث أن دخل النبي، فقال له: (يا أصيل! كيف عهدت مكة؟) قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق اذخرها، وأسلت ثمامها، وأمشّ سلمها، فقال: (حسبك يا أصيل لا تحزنا).
وحب الوطن يجعل الإنسان يدفع عنه العدو إذا هاجمه أو أخرجه العدو منه، والله سبحانه يحكي عن المؤمنين فيقول الله تعالى: "قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا". (البقرة : 246 ).
فهذه الآيات والأحاديث والآثار تؤكد على مشروعية حب الوطن ويؤكد مشروعيته ايضا ما أخرجه البخاري أن بلالاً قال: "اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وعُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وأُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ كمَا أخْرَجُونَا مِنْ أرْضِنَا إلَى أرْضِ الوَباءِ".
ومفارقة الأوطان حدث اليم يستحق ان يكون محنة كبيرة معادلة لقتل النفس. قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ). (النساء: 66).
ويدل على ذلك ايضا وصف الله تعالى المهاجرين الأولين بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ ..). قوله: (وَهَاجَرُواْ)، يعني: فارقوا الأوطان، وتركوا الأقارب والجيران؛ في طلب مرضاة الله،.
ويدل على صعوبة  فراق الاوطان انه يشكل عقوبة كبيرة
1-    عقوبة عذاب على الكفار، أخبر الله تبارك وتعالى عن هذا الصنف فقال عز وجل: (وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ) (الحشر : 3 ). "معنى (الجلاء) في اللغة: الخروج من الوطن والتحول عنه، والجلاء نوع من أنواع التعذيب". "التفسير الكبير".
2-    عقوبة ردع للمسلم وزجر له، كي لا يعود للمخالفة، قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ... أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ). (المائدة : 33 ). أي: "يطرد من بلد إلى بلد بحيث لا يتمكنون من القرار في موضع". واختار ابن جرير أن المراد بالنفي في هذه الآية أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه وروي نحوه عن مالك أيضاً، لأن التغريب عن الأوطان نوع من العقوبة كما يفعل بالزاني البكر.
تحديد معنى الوطن
لكن مع ذلك ينبغي تحديد معنى الوطن الذي نتحدث عنه. يلاحظ أن مصطلح الوطن لم يوجدعندنا كمسلمين، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة كمصطلح له مدلول خاص، ولكنه ورد فياللغة ككلمة عربية تدل على واقع معين. فقد ورد في لسان العرب: الوطن هو المنـزلالذي نقيم به وهو موطن الإنسان ومحله، وقد وردت كلمة مَواطن في القرآن الكريم لمعنى مشهدالحرب قال تعالى: "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَحُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًاوَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ" (التوبة 25) فالأصل أن لا يتعدى استخدام هذه الكلمة مكان السكن. فلا يجوز لكلمة وطنأو ما ينتج عنها أن تتعدى أكثر مما استخدمت له من قبل واضعيها أصحاب اللغة، لقد حاول الكتاب وعلماء السلطةتعريف هذه الكلمات ووضع معان اصطلاحية لها مدعومين من قبل الفئة الحاكمة حيثاعتبروا الوطن مصدراً لعزة النفس، وأن الوطن للجميع حتى يكون الجميع للوطن، وأن قوةالوطن تكمن في السيادة والحرية. وقد ذهبوا لأبعد من ذلك في تأويل أحاديث رسولالله (صلى الله عليه وآله وسلم), وأن ما فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) كاننموذجاً لمجتمع المواطنة الحقة بغض النظر عن المعتقدات الخاصة بالمواطن, فقالوا إنهوضع دستوراً ينظم العلاقات بين مواطني المدينة وكانوا مختلفي الأعراق. ومن بنودهاأن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدةمن دون الناس؛ وبذلك أسس أول مجتمع مدني إنساني في التاريخ. وقالوا إن الرسول) صلى الله عليه وآله وسلم) هو أول وطني حيث قال عندما هاجر من مكة فيما أخرجهالترمذي وأحمد: «واللهِ إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أنيأُخرجت منك ما خرجت» وإنه وضع قواعد المواطنة. هذا ما طرحه الكتّاب واستدلوا علىوجود هذه المصطلحات لأسلمتها.
وبالتدقيق فإنه لا يفهم من الحديث لا مفهوم سياسيللوطن ولا للوطنية ولا للمواطنة، ولا يوجد أي ارتباط لهذه الكلمات مع الحديثالشريف.
خطر مفهوم الوطن بمعناه الحديث
أما خطر مفهوم الوطن وما ينتج عنه فهو ظاهرفي الأمور التالية:
1.      إيجاد رابطة جديدة تسمى رابطة الوطن أو الرابطة الوطنيةأو الوحدة الوطنية بدل رابطة العقيدة الإسلامية والوحدة على أساس الإسلام.
2.      نشوء مصطلحات جديدة مخالفة لشرع الله مثل الأخوة مع غير المسلمين والأخوة الإنسانية.
 إقصاء المصطلحات الإسلامية جانباً مثل الجهاد والعزة ودار الإسلام ودارالحرب والكفار والجزية، ووضع مصطلحات بديلة عنها.
3.      إن مفهوم الوطن يركزإمكانية محاربة الآخر بسلاح الوطن وباسم الوطنية، وهذا يبيح للمسلم قتل أخيه المسلمباسم الحفاظ على الوطن أو الاستقلال.
تكريس تمزيق بلاد المسلمين والحيلولةدون وحدة بلاد المسلمين بدولة واحدة.
4.       محاربة أي عمل من شأنه أن يطبق الإسلامفي الحياة.
5.       إلغاء فكرة الجهاد ونشر الإسلام.
6.       اختزال قضايا المسلمين مثل احتلال أرض المسلمين وتحويلها إلى قضيةأرض أو وطن  كما في حال الصراع مع اسرائيل.
7.       كبت عمليةالتغيير باختلاق تهمة الخيانة للوطن والعمالة للأجنبي.
خطورة مفهوم الوحدة الوطنية
قال بعض المفكرين من ذوي الاتجاه الاسلامي  في الوحدة الوطنية إنها فريضة شرعية وضرورة حياتية، ولكنها ليست بمعزل عن الوحدةالعربية والإسلامية. واستشهدوا أن فرضية الوحدة الوطنية آتية من قوله تعالى "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِاللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْكُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِإِخْوَانًا" [آل عمران 103] وقوله تعالى "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَإِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِوَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [آل عمران 104] وقوله تعالى " وَتَعَاوَنُواعَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ "] المائدة 2] وحديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «إنه ستكون هناتوهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان» (رواه مسلم) وأوردوا شواهد للدلالة على الوحدة الوطنية أن النبي (صلى الله عليهوآله وسلم):
1.      شارك في حلف الفضول
2.       كتب وثيقة المدينة لتنظيم حياة مجتمعمتعدد الديانات والأعراق.
3.       أعطى الأولوية للرحم والجوار.
4.       تدرج فيالأولوية إزاء الغزو الأجنبي، فالأولوية للبلد الذي تعرض للغزو ثم الذين يلونهم ثمالذين يلونهم.
 هذا ما قاله الكتّاب في الوحدة الوطنية لكن كلامهم مرفوض جملةً وتفصيلاً. واستدلالهمً على قوله بآيات من كتابالله استدلال في غير مكانه, وليّ لأعناق النصوص وتحميلها أكثر مما تحتملومخالف لشرع الله. فموضوع الآيات التي تم الاستدلال بها بعيد جداً عن مفهوم الوحدةالوطنية، فآية "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا" [آل عمران 103] أمربالالتزام بشرع الله، وهو أمر للمسلمين بعدم التفرقة، والوحدة على أساس الإسلام؛فلا يمتّ للوحدة الوطنية بصلة. أما آية "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ" (آل عمران)فهي أمر بتأسيس حزب أو جماعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وليس لها علاقةبالوحدة الوطنية لا من قريب ولا من بعيد. أما الحديث فإنه يأمر بوحدة المسلمين علىأساس الإسلام وليس على أساس الوطن، وحرمة تفرقة المسلمين. أما حلف الفضول فإنه لردالظالم عن ظلمه وليس له علاقة بالوحدة الوطنية. أما موضوع الأولوية في رد العدو عنالبلد المعتدى عليه فهو خاص بالجهاد ودفع العدو وليس له علاقة بالوحدة الوطنية.  
واروع ما قيل عن الوطنية ما كتبه صاحب الظلال: " والبشرية إما أن تعيش _ كما يريدها الإسلام _ أناسيّ تتجمع على زاد الروح وسمة القلب وعلامة الشعور .. وإما أن تعيش قطعانا خلف سياج الحدود الأرضية ، أو حدود الجنس واللون .. وكلها حدود مما يقام للماشية في المرعى كي لا يختلط قطيع بقطيع !!!  
 
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة