الاسلام عقيدة وليس نظاما

زارني في العام الماضي ثلة من الرجال والنساء الأوربيين والأمريكيين، قد اعتنقوا ألإسلام. وقد لفت نظري التزامهم الدقيق بالسلوك والمظهر الإسلاميين رجالا ونساء ! . . فهل تتصورون أنهم قد وصلوا إلى الالنزام بتلك الأحكام السلوكية من خلال اجتياز مرحلة طويلة من النقاش تمت في أعقابها القناعة بها واكتشاف وجوه الفائدة والمصحة فيها ؟! معاذ الله !. . لقد تحولوا من منتهى التفلت والتحرر، الى الالتزام الكامل بالسلوك الاسلامي خلال ايام قليلة. وكان الجسر الوحيد الذي نقلهم من ذلك التحرر إلى هذا الالتزام، إكتشافهم بأنهم عبيد مملوكون لله عز وجل، ويقينهم المطلق بألوهية الله وحكمته التي لا ريب فيها، في كل ما يأمر به وينهى عنه. ولو أخذت تناقشهم دهرا طويلا في الدفاع عن تلك الأحكام، قبل رسوخ هذا اليقين العظيم في قلوبهم، لما اقتنعوا من ذلك كله بشيء . ومن هنا كان قوام الدين الحق الذي ألزم الله به عباده مكونا من ثلاثة أركان : إيمان واسلام وإحسان. فمغرس الإيمان في انقلب ومكان الاسلام ألجسم كله ومستقر الإحسان صلة ما بين القلب الذي آمن والجسد الذي استسلم. ولا ينفرد واحد من هذه الاركان الثلاثة بوجود مستقل مفيد. بل الدين انما يتكون من تالف هذه الأركان الثلاثة التي لا تعدو أن تكون جذورا وفروعا وشرايين تنقل الحياة من هنا إلى هناك. والمسلم اذا عاش فلهذا الدين يعيش، وان دعا الناس فإلى هذا الدين يدعو.

ومعاذ الله أن يكون دين هذا شانه وجوهره مجرد نظام بين الأنظمة أو مجرد مذهب من المذاهب. ليس للأنظمة التى يتطاحن أهلها عليها اليوم إلا وجود خارجي يبدأ وينتهي في ساحة المشاهدات والمحسوسات. وإنه لوجود ما أيسر أن يكون قناعا يستتر خلفه النفاق ألوانا، ويكمن وراءه الكيد والخداع أشكالا. أما الاسلام فوجوده شعاع يمتد في كينونة الإنسان كله، بدءا من باطن القلب إلى ظاهر الجوارح، من شانه أن يحرر الإنسان من أنانيته وافات نفسه ثم يخضعه لأحكام ربه. وإذا تشبع الداعي إلى الله تعالى بهذه الحقيقة، وتمثل هذا المعنى الكلي للاسلام، ثم اتجه إلى الناس يذكرهم بهذا الحق، ويوقظ فيهم مشاعر عبوديتهم لله عز وجل، مستعينا بلواعج الصدق والاخلاص لله في قلبه، وبدلائل المنطق والعلم على لسانه- : أشرق من كلامه قبس وهاج في طوايا قلوبهم (إن هم أصغوا إلى الحق بموضوعية وتجرد) واستطاع أن يسير بهم من أقرب طريق إلى الخضوع لسائر الأحكام والشرائع الأساسية الني ليست في حقيقتها إلا ثمرات وفروعا لذلك المعنى الكلي العظيم. وان لنا قصة أولئك الاجانب الذين حدثتك عنهم آنفا أبين شاهد على ما أقول. ولكن إذا حصر المسلم نفعه من الإسلام في منثورات فروعه وأحكامه وتشريعاته، ثم راح ينبه الناس من الاسلام كله إلى هذه الفروع، وأخذ يبذل كل جهده في إقناعهم بمزايا هذه الانظمة والتشريعات وأفضليتها على سواها، فإن دعوته هذه لن تثمر شيئا، لانه يقدم لهم هذه الانظمة والأحكام منفصلة عن منبتها وجذورها. كان كمن يقدم إليك غصنا أخضر يانعا بعد أن اقتطعه من شجرته الراسخة الباسقة، هل تنتظر به إلا عاقبة الذبول والانمحاق. وهي حتى لو اثمرت فايقن المخاطبون بمزايا التشريع الاسلامي وأفضليته، ثم انصاعوا له نظرا إلى ما فيه من المزايا القانونية التي ترجحه على غيره، فان هذا الانصياع لا يمت بحد ذاته إلى جوهر الاسلام بشيء، ولا يقربهم الى الشروى نقير، إذ هو ليس انصياعا دينيا منبعثا عن الخضوع لحكم التعالى وسلطانه ، ولكنه مجرد اختيار له من بين سائر الشرائع الأخرى من حيث المرجحات المصلحية في نطاق الأهداف الدنيوية المجردة . . ولذلك كان من اليسير أن تجد سرعة الرضا والقبول باعتماد فقرة : ( الفقه الاسلامي مصدر للتشريع) فى صلب اكثر الدساتير القائمة اليوم في أكثر البلاد العربية والاسلامية، ولكن ليس من اليسير أبدا أن تحصل على مثل هذا الرضا لاعتماد فقرة أصغر منها، وهي ( الاسلام دين الدولة ). ذلك لأن هذه الفقرة تعبير موجز عن الخضوع الكلى والاستسلام المطلق لربوبية الله وحكمه. أما الفقرة الأولى فمجرد التزام بجانب قانوني من بنية الاسلام. وما أيسر أن يتلاقى عليه المسلمون وغيرهم. ومع هذا، فان أكثر مظاهر الدعوة الإسلامية اليوم إنما يتحرك ضمن هذه الأجزاء الجانبية أو الدوائر الفوقية. وهي قلما تثمر إلا مشادة حاقدة من نوع تلك المشادات التي تقوم بين أصحاب المذاهب الفكرية والسياسية المتناحرة. ذلك لأن الإسلام الذي يعرض في هذه الخصومة إنما هو إسلام فكرة ونظام مجتثين من كلي الحقيقة الإسلامية المنزل من لدن رب العالمبن إلى الناس اجمعين، يقارع بهما الافكار والأنظمة الأخرى مقارعة مغايظة ومباهاة، في مشادة لا يمكن أن تنتهي إلا إلى مثل ما تنتهي اليه خصومة أي نظامين أو مذهبين متكافنئين في أن كلا منهما ليس حقيقته أكثر من نظام يوازن بنظيره من الأنظمة الأخرى. ومن شان الذي يدعو الى الإسلام بوصفه مجرد فكرة ونظام بين محتلف الأنظمة، أن يفقد من بين جوانحه مشاعر الشفقة على أولئك الذين  يدعوهم، ودوافع الغيرة على سعادتهم الآجلة والعاجلة، وهو المعنى الانساني الذي اتصف به الأنبياء والربانيون، فكان سر نجاحهم وإقبال الناس عليهم، والتاثر بكلامهم. فلماذا يفقد هذا الصنف من الدعاة تلك المشاعر والمعاني الربانية الشفوقة ؟ لأن الذي يهيج في طريق الدعوة إلى الإسلام، بعيدا عن المثول في محراب التبتل ومعاني العبودية لله عز وجل، مندفعا بالأسباب ذاتها التي تدفع صاحب أي مذهب أو مبدأ إلى الدفاع عن مذهبه ودعوة الناس إليه، لا بد، أن ينسى الله تعالى في غمار دعوته. ولا بد أن ينجرف في تيار الأنانية ورغبة الانتصار للذات، شأن سائر الدعاة إلى مختلف المذاهب والأحزاب. وهيهات حينئذ أن يتأثر بدعوته أحد، أللهم الا أن يكون تأثرا مصلحيا قائما على مناورة أو على الرغبة في الوصول إلى أمان ومصالح دنيوية. ذلك لإن الناس لا يصعب عليهم أن يشموا رائحة حب الانتصار للذات، من خلال هذه الطريقة في الدعوة. واذا تنبهوا لذلك، فلا بد أن تستيقظ لديهم هذه المشاعر ذاتها، بطبيعة الحال، وأن يتحصن كل طرف ضد الآخر في حصن أنانيته وإلانطواء على ذاته، وعندئذ يتقطع ما بينهما من الجسور الواصلة، ويتفاقم الحقد وتتوالد الضغائن، ويقضى على كل أمل في التفاهم والوئام.

إني أستطيع أن أقرر أن جهد هذا النوع من المسلمين جهد ضائع، مقضي عليه بالخيبة وان تراءت له بعض الثمار والآثار السطحية السريعة. لأن صورة الاسلام في أذهان هؤلاء الناس، لا تتناول اكثر من أنظمة فوقية مبتورة عن أصولها مجتثة عن تربتها، فهم إنما يقومون ويقعدون بالحدبث عنها والموازنة بينها وبين غيرها. وما اكثر ما يجلس أحدهم ليتكلم متحمسا في هذه الأمور أو ليناقش في شؤون الدعوة ومناهجها، فينسى في غمار حديثه ونقاشه أهم الواجبات الدينية التي أناطها الله في عنقه كالقيام إلى الصلاة في أوقاتها مثلا، ولعله لا يصحو إليها إلا في أخر الوقت، و لا ينهض اليها إلا متثاقلا ويؤديها بسرعة خاطفة شأن من يريد أن يسرع فيتخلص من عبء يلازمه. والخلاصة أنه لا قيمة لدعوة الناس إلى اختيار منهج معين في السلوك أو نظام مميز للحياة ، الا أن تكون أتية من وراء دعوتهم الى الاصطباغ التام بالعبودية المطلقة لفاطر السماوات والأرض، وايقاظهم إلى الحقائق - الكبرى الكامنة في قول الله عز وجل: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" ( الانعام).

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة