الاسلام دين كل الرسل: عقيدة واحدة وشرائع مختلفة

 

 

الدين الواحد:

 

الرسالات التي جاء بها الأنبياء جميعاً منزلة من عند الله العليم الحكيم الخبير ، ولذلك فإنها تمثل صراطاً واحداً يسلكه السابق واللاحق ، ومن خلال استعراضنا لدعوة الرسل التي أشار إليها القرآن نجد أنّ الدِّين الذي دعت إليه الرسل جميعاً واحد هو الإسلام ، ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) [ آل عمران : 19 ] ، والإسلام في لغة القرآن ليس اسماً لدين خاص ، وإنما هو اسم للدّين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء ، فنوح يقول لقومه : ( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [ يونس : 72 ] ، والإسلام هو الدين الذي أمر الله به أبا الأنبياء إبراهيم ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) [البقرة : 131] ويوصي كل من إبراهيم ويعقوب أبناءه قائلاً : ( فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) [البقرة : 132] وأبناء يعقوب يجيبون أباهم : ( نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) [ البقرة : 133 ] وموسى يقول لقومه : ( يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ) [ يونس : 84 ] والحواريون يقولون لعيسى : ( آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [ آل عمران : 52 ] وحين سمع فريق من أهل الكتاب القرآن ( قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ) [ القصص : 53 ] .

فالإسلام شعار عام كان يدور على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية .

كيف يتحقق الإسلام:

الإسلام هو الطاعة والانقياد والاستسلام لله تعالى ، بفعل ما يأمر به ، وترك ما ينهى عنه ، ولذلك فإنّ الإسلام في عهد نوح يكون باتباع ما جاء به نوح ، والإسلام في عهد موسى يكون باتباع شريعة موسى ، والإسلام في عهد عيسى يكون باتباع الإنجيل ، والإسلام في عهد محمد صلى الله عليه وسلم يكون بالتزام ما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .

لبُّ دعوات الرسل:

ولبُّ دعوات الرسل وجوهر الرسالات السماوية هو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، ونبذ ما يُعبد من دونه ، وقد عرض القرآن هذه القضية وأكدها في مواضع متعددة ، مرة يذكر دعوة الرسل فنوح يقول لقومه : ( يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) [ الأعراف : 59 ] ، وإبراهيم قال لقومه : ( وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ العنكبوت : 16 ] وهود قال لقومه : ( اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) [ الأعراف : 65 ] وصالح قال لقومه : ( اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) [ الأعراف : 73 ] .

المبادئ الخالدة: مسائل العقيدة:

وليست الدعوة إلى عبادة الله وحده هي القضية الوحيدة التي اتفقت فيها الرسالات، فأماكن الاتفاق كثيرة ، فمن ذلك أمور الاعتقاد التي تشكل تصوراً واحداً وأساساً واحداً لدى جميع الرسل وأتباعهم ، فأول الرسل نوح ذكَّر قومه بالبعث والنشور فمما قاله لقومه : ( وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا - ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ) [نوح : 17-18 ] . وأعلمهم بالملائكة والجنّ ، ولذلك قال الكفار من قومه : ( مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ - إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ) [ المؤمنون : 24-25 ].  والإيمان باليوم الآخر واضح في دعوة إبراهيم  ( وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) [ البقرة : 126 ] ، وفي دعوة موسى أشدُّ وضوحاً ، ولذلك نرى السحرة عندما يخرون سجدّاً يقولون لفرعون : ( إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى - إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى - وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى - جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى ) [ طه : 73-76 ] .

القواعد العامة :

والكتب السماوية تقرر القواعد العامة التي لا بدّ أن تعيها البشرية في مختلف العصور كقاعدة الثواب والعقاب ، وهي أنّ الإنسان يحاسب بعمله ، فيعاقب بذنوبه وأوزاره ، ولا يؤاخذ بجريرة غيره ، ويثاب بسعيه ، وليس له سعى غيره ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى - وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى - أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى - وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى - وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى - ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى ) [ النجم : 36-41 ] .

ومن ذلك أن الفلاح الحقيقي يتحقق بتزكية النفس بمنهج الله والعبودية له ، وإيثار الآجل على العاجل : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى - بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى - إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى - صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) [ الأعلى : 14-19 ] .

ومن ذلك أنّ الذي يستحق وراثة الأرض هم الصالحون ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) [ الأنبياء : 105 ] .

 

والقرآن يخبرنا أنّ الرسل جميعاً حملوا ميزان العدل والقسط ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطٌِ ) [ الحديد : 25 ] وأنهم أمروا بأن يكسبوا رزقهم بالحلال ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) [المؤمنون : 51] وكثير من العبادات التي نقوم بها كانت معروفة عند الرسل السابقين وأتباعهم ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ ) [الأنبياء : 73] . وإسماعيل عليه السلام ( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ .. ) [ مريم : 55 ] وقال الله لموسى عليه السلام : ( فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) [ طه : 14 ] ، وقـال عيسى : ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) [ مريم : 31 ] . والصوم مفروض على من قبلنا كما هو مفروض علينا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [ البقرة : 183 ] .

والحج فرضه إبراهيم عليه السلام ، فقد أمره الله بعد بناء الكعبة فنادى بالحج ، ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا ... ) [ الحج : 29 ]   ،  وقد كان لكل أمة مناسكها وعبادتها ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَام ) [الحج : 3] ( لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ) [ الحج : 67 ] . ومما اتفقت فيه الرسالات أنها بينت المنكر والباطل ودعت إلى محاربته وإزالته ، سواءً أكان عبادة أوثان ، أو  استعلاء في الأرض ، أو انحرافاً عن الفطرة كفعل قوم لوط ، أو عدواناً على البشر وأحوالهم بقطع الطريق والتطفيف بالميزان .

اختلاف الشرائع

إذا كان الدين الذي جاءت به الرسل واحداً وهو الإسلام فإن شرائع الأنبياء مختلفة ، فشريعة عيسى تخالف شريعة موسى في بعض الأمور ، وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم تخالف شريعة موسى وعيسى في أمور ، قال تعالى : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) [ المائدة : 48 ] والشرعة هي الشريعة وهي السنة ، والمنهاج : الطريق والسبيل .

وليس معنى ذلك أن الشرائع تختلف اختلافاً كلياً ، فالناظر في الشرائع يجد أنها متفقة في المسائل الأساسية ، وقد سبق ذكر النصوص التي تتحدث عن تشريع الله للأمم السابقة الصلاة والزكاة والحج ، وأخذ الطعام من حلّه وغير ذلك ، والاختلاف بينها إنّما يكون في بعض التفاصيل .

فأعداد الصلوات وشروطها وأركانها ومقادير الزكاة ومواضع النسك ونحو ذلك قد تختلف من شريعة إلى شريعة ، وقد يحلّ الله أمراً في شريعة لحكمة ، ويحرمه في شريعة أخرى لحكمة .

وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً لاتفاق الرسل في الدين الواحد واختلافهم في الشرائع ، فقال : " الأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتّى ، ودينهم واحد " (البخاري) .قال ابن حجر : " الأنبياء أولاد علاّت ، وفي رواية عبد الرحمن المذكورة " أي في صحيح البخاري " : " والأنبياء إخوة لعلات " والعلات بفتح المهملة : الضرائر ، وأولاد العلات الإخوة من الأب ، وأمهاتهم شتى ، ومعنى الحديث : أنّ أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع " (فتح الباري) .

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة