الإنسان بين التسيير والتخيير

من كتاب كبرى اليقينيات الكونية للامام البوطي

مصير الإرادة الإنسانية أمام إرادة الله جل جلاله

أما وقد علمنا بأن إرادة الله تعالى مطلقة وكاملة ، وصالحة للتعلق بكل الممكنات ، فكيف نتصور أن تكون للإنسان أيضاً إرادة إلى جانبها؟ وقد علمنا ببراهين التجربة والمشاهدة أن الإنسان يريد ويختار في كثير من سلوكه وتصوراته ، فما نوع هذه الإرادة وحقيقتها بل ما مصيرها في جنب إرادة الله؟ 

والجواب أن الله عز وجل لما خلق الإنسان ، أقامه على نوعين من الحركة والتصرف

واحد يستوي فيه الإنسان مع سائر الموجودات الأخرى من حيوانات وجمادات ونبات وأفلاك وهو الحركات القسرية والوظائف الآليّة التي ليس للإنسان فيها أي كسب أو مشيئة ، كحركة النمو وما يتبعه من قوة وشيب وضعف ، وكالولادة والموت ، وكالانفعالات المختلفة من حب وكراهية وجوع وعطش وخوف وفزع . والثاني: تصرفات تنشأ من سر عجيب خاص أودعه الله عز وجل في الإنسان ، نسميه : الاختيار والإرادة . فلقد تعلقت إرادة الله عز وجل ، بأن يغرس في كيان الإنسان هذا السر الذي هو محور التكليف فيه وأن يجعله يصدر في كثير من تصرفاته عن هذا السر الذي به يسمى حراً ومختاراً .

ومعنى ذلك أن إرادة الله تعالى تعلقت بأن تكون مريداً ، فسرت إرادة الله عز وجل ـ بذلك ـ إلى كل ما تريده وتختاره من الأعمال . وإذاً فلا يمكن أن يقع أي تعارض بين إرادة الله تعالى وما تختاره عن طريق إرادتك الخاصة ، إذ لو فرضنا أن الله غير مريد لعمل قد اخترته بإرادتك ، فمعنى ذلك أنه سبحانه وتعلى غير مريد لإرادتك التي وجهتك إلى ذلك الفعل ، وهو مناقض لما ثبت من أن الله عز وجل قد شاء لك أن تكون مريداً وشاء أن يخلق فيك هذا السر ، فثبت بطلان فرض أن الله قد لا يريد العمل الذي تختاره .

ولأضرب لك مثلاً يقرب إليك هذه الحقيقة : خادم عندك في الدار ، تريد أن تعلم صدقه وأمانته في الخدمة والمعاملة ، ولكي تصل إلى بغيتك هذه ، تعطيه مبلغاً من المال وتبعثه إلى السوق لشراء بعض الحوائج وتفسح له المجال أن يتصرف كما يشاء دون أن تضع عليه رقيباً أو تضيق عليه السبيل .

فأنت بترتيبك هذا أردت أن يكون حراً فيما يفعل ويذر ، لا يستجيب إلا لنداء ضميره وتفكيره الداخلي ، بحيث يتمتع بإرادة لا يشوبها قسر ، حتى تعلم بذلك طويته . فإذا عاد وقد خان الأمانة فيما أعطيته من المال وما عاد به من المتاع ، فأنت في الواقع مريد لهذه النتيجة1 وإذا عاد وقد حقق منتهى الأمانة في عمله ، فأنت مريد أيضاً لهذه النتيجة ، إذ أنت لم ترد إطلاق يده بالتصرف كما يشاء إلا وأنت مريد لظهور نتيجة ذلك أياً كانت النتيجة ، تحبها وترضاها أم لا .

إذا تبين لك هذا ، علمت أن مصير الإرادة الإنسانية في جنب إرادة الله ، ليس إلا كمصير إرادة الخادم في جنب إرادة سيده ، ولله المثل الأعلى . فإرادتك المتعلقة بتصرفاتك الاختيارية منطوية تحت إرادة الله تعالى ، ولكن لا عن طريق القسر والإكراه (كما هو شأن إرادته المتعلقة بالنوع الأول من حركات ووظائف) وإنما عن طريق بث سر الإرادة والاختيار في كيانك ، وكانت حكمته من ذلك أن تكسب بموجبها كل ما تحب ، دون قسر أو إكراه ، لتتجلى طويتك في سلوكك ، فتستأهل بذلك مثوبة الله أو عقابه . وواضح أن سلوكك هذا يصبح بسبب ذلك من مرادات الله عز وجل. وهكذا تعلم أن الله لا يقع في ملكه إلا ما يشاء ويريد ، ولا يناقض ذلك أنه أعطاك أيضاً إرادة ومشيئة ، كما لا يناقض علمه بالأشياء كلها أنه أعطاك أنت أيضاً علماً ببعض يسير منها .

الفرق بين الإرادة والرضا :

ولعلك تسأل بعد هذا : فكيف يعاقب الله الإنسان على فعل هو من مرادات الله عز وجل؟! .. بل كيف يكون السلوك الذي نهى الله الإنسان عنه مراداً لله في الوقت نفسه؟! .  والجواب أن هذا الإشكال فرع عن وهم ينبغي أن تحذر الوقوع فيه ، ألا وهو توهمُ أن الإرادة والأمر بمعنى واحد، وأن الواحد منهما يستلزم الآخر .

وهذا خطأ كبير في التقدير ، فقد علمت فيما سبق أنه لا يقع شيء في الكون إلا بإرادته، وإلا لكان ثمة ما هو موجود من فوق مشيئته واختياره، وهو من أجلى مظاهر العجز والضعف التي ننزه الله عز وجل عنها ، وقد علمت أيضاً بأن الله يقول في كتابه (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) [الزمر : 7] وإذاً فكفر أبي جهل مثلا داخل في مرادات الله عز وجل ، كما ذكرناه ، ولكنه غير داخل فيما يُرضي الله عز وجل وفيما قد أمر به لدلالة الآية الصريحة على ذلك .

وفي مثال الخادم الذي ذكرته لك آنفاً ما ينبهك إلى هذه الحقيقة . فقد قلنا : إنك لم ترد إطلاق يده بالتصرف بمالك كما يشاء ، إلا وأنت مريد لظهور نتيجة ذلك أياً كانت النتيجة سواء كنت تحبها وترضاها أم لا .. وهذه حقيقة نلمسها جميعاً في تجاربنا وتصرفاتنا الشخصية ومعاملة بعضنا لبعض ، إنني بكل تأكيد ، لا أحب من تلميذي أن يكون مخفقاً في دراسته غير ناجح فيها ، وأظل أكرر على مسامعه الأمر بالدراسة وبذل الجهد ، ومع ذلك فأنا عندما أريد أن أختبره في نهاية العام ، فإن إرادتي تسري من غير شك إلى النتيجة التي سيكشف عنها ذلك الاختيار ، وإذاً فأنا أريد بذلك ظهور النتيجة أياً كانت ، نجاحاً أم رسوباً ولا يمكن أن يعتقد عاقل من الناس أن تناقضاً قد وقع بين ما كنت آمره به الاجتهاد وما أريده اليوم من النتيجة التي تفصح عن واقع أمره .

وهكذا ينبغي أن تعلم ، بأن الإرادة لا تستلزم الأمر ولا الرضا بالشيء المراد . وهذه أيضاً من الزلات التي تاه فيها المعتزلة واضطربت أقوالهم فيها بين كرّ وفر .

فإذا أمعنت في هذا الذي ذكرناه ، أدركت أن الإنسان ، في كل أعماله وتصرفاته الاختيارية إنما يتحرك في دائرة الإرادة الإلهية لا يتخطاها وأدركت أيضاً أنه لا تنافي بين كون الإنسان مختاراً مريداً في تصرفاته هذه وبين كونه لا يتخطى الإرادة الإلهية ، وليس الأمر كما يظن بعض السطحيين أن فعل الإنسان ما دام حاصلا بإرادة الله ، فليس له فيه إذاً حرية ولا كسب ، ليس الأمر كذلك إلا إذا صح أن يقول التلميذ الراسب في امتحانه للأستاذ الذي امتحنه : إنني مقهور على هذا الرسوب ، لأنك قد أردت مني الرسوب عندما أردت امتحاني ، وإلا إذا صح أن يقول الخادم لمخدومه : إنني مقهور على ما بدر مني من الخيانة في معاملتك ، تحت سلطان إرادتك التي توجهت إلى اختباري وإطلاق يدي في التصرف بمالك . وبديهي أن أحداً من العقلاء لا يقول هذا الكلام ولا يقبل أن يسمعه.

فإن قلت ، فهذا الذي تقوله مقنع ومفهوم ، لولا أن في القرآن آية تبطل هذا المعنى الذي تقول ، إذ تدل على أن الإنسان لا يملك لنفسه أي مشيئة إلا بإذن الله ومشيئته ، وهي قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) [الإنسان : 30] ـ فالجواب : أن هذه الآية ليست إلا أساساً ودستوراً للكلام الذي ذكرناه ، فهي توضح بصريح العبارة أن الإنسان ما كان ليتمتع بإرادة في كيانه يتجه بسرها إلى اختيار ما يشاء من التصرفات والأعمال ، لو لم يشأ الله عز وجل أن يضع في كيانه هذا السرّ العظيم ، وهذا أمر واضح الثبوت ، فأنا الآن أختار أن أحبس وقتي على كتابة هذه المباحث الهامة ، ولكن أنّى لي هذا الاختيار القائم على أعظم سر في كياني ، لو لم يكن الله عز وجل قد شاء أن يقذف في وجودي ، بمحض فضله وكرمه ، شيئأً من هذا السر العظيم؟! .. والآن قد أكرمني الله ، فشاء أن يجعلني ذا إرادة في تصرفاتي الاختيارية ، ألست قد أصبحت إذا مريداً ومختاراً ، وأليست أعمالي التي أكسبها ثمرة إرادتي هذه ، حتى مع العلم واليقين بأنها دائرة في تلك الإرادة الإلهية ذاتها؟ .. 

ووالله ، إنه لا ينتهي عجبي ممن يمسك بهذه الآية ، ثم يظلّ يحاول أن ينسف بها أعظم هبة إلهية للإنسان بعدالعقل ، ألا وهي هبة الإرادة والقدرة على الاختيار! ...

وليت شعري ماذا يفعلون ، وهم يحاولون هذه المحاولة ، بقوله تعالى (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا- فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس : 7 ـ 8] وبقوله تعالى (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً - إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) [الإنسان : 2 ـ 3] وبقوله تعالى (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ- وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ- وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد : 8 ـ 10]! .

القضاء والقدر : معناهما ووجوب الإيمان بهما

تتفرع ضرورة الإيمان بالقضاء والقدر من دليلين اثنين :

أولهما : الحديث الصحيح الذي رواه مسلم : (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره) .

ثانيهما : ما سبق من بيان أن الله عز وجل يتصف بالعلم والقدرة ، فالقضاء فرع عن ثبوت صفة العلم والإرادة لله عز وجل ، والقدر فرع عن ثبوت صفة القدرة له .

تعريف كل منهما :

فأما القضاء ، فهو علم الله عز وجل في الأزل بالأشياء كلها على ما ستكون عليه في المستقبل .

والقدر : إيجاد تلك الأشياء بالفعل طبقاً لعلمه الأزلي المتعلق بها .

وقد عكس بعضهم ، فجعل تعريف القضاء للقدر وتعريف القدر للقضاء ، والأمر محتمل والخطب فيه يسير .

ومعنى وجوب الإيمان بهما ـ كما ذهب أهل السنة والجماعة ـ هو أنه يجب على المكلف أن يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى علم أولاً بجميع أفعال العباد ، وكل ما يتعلق بالمخلوقات ، مما سيتوالى حدوثه في المستقبل ، كما يجب عليه أن يؤمن بأنه سبحانه وتعالى إنما أوجدها ، حين أوجدها2 . على القدر المخصوص والوجه المعيَّن الذي سبق العلم به .

ومن هنا تعلم بأنه لا علاقة للقضاء والقدر بالجبر مطلقاً ، كما يتوهم بعض الناس ، لأن الله سبحانه وتعالى (بموجب ألوهيته) لا بدّ أن يكون عالماً بما سيفعله عباده من مختلف الأعمال ، وبما سيقع ويحصل في ملكه ، وإلا لكان ذلك نقصاً في صفاته التي ذكرناها . ثم لا بد أيضاً أن تقع هذه الأمور مطابقة لعلم الله عنها ، وإلا لانقلب علمه جهلاً ، وهو محال .

وواضح أن هذا كله لا علاقة له بكون هذه الأفعال قد صدرت عن أصحابها على وجه القسر والإكراه أو بمحض الإرادة والاختيار ، فقد علمت أن العلم صفة كاشفة فقط وكل شأنها أنها تكشف عن الأمور على ما هي عليه أو على ما ستوجد عليه ، وهو شيء لا علاقة له بالجبر أو التخيير .

يقول النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم ، بعد أن عرف القضاء والقدر بما ذكرناه :

قال الخطابي : (وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه وتعالى العبد وقهره على ما قدّر وقضاه ، وليس الأمر كما يتوهمونه ، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من أكساب العبد وصدورها عن تقدير منه)1 .

خالقية الله لفعل الإنسان لا تسلبه الاختيار :

إذا علمت هذا ، فإن لسائل أن يقول : فهب أن العلم لا علاقة له بالأشياء إلا على وجه الكشف عنها ، كما ذكرت ، ولكن أليس وجود الأشياء التي قضى الله أنها ستوجد (أي علم بوجودها) بموجب خلقه هو ، وبموجب إرادته هو؟ .. وإذاً فقد انتهى الأمر إلى القسر ، والإكراه ، إن لم يكن يتعلق بالعلم ، فبتعلق الخلق والإرادة .

والجواب أن كل شيء لا يوجد ولا يتكيَّف إلا بخلق الله جل جلاله ، ولا يتم أيضاً إلا بإرادته ، وقد أوضحناه فيما سبق ، أما ما يترتب عليه في ظنك من القسر والإجبار فإليك بيان بطلانه ، بالنسبة لقضية الخلق أولاً ، ثم لقضية الإرادة ثانياً .

تنقسم مخلوقات الله تعالى إلى قسمين :

القسم الأول : مخلوقات لا كسب لأحد فيها ، وهي كل ما يقع في الكون على وجه القسر والحتم كحركة الأفلاك والفصول ونموِّ الأشجار والنباتات والإنسان ، وككثير من وظائف الإنسان وحركاته ، كالنوم واليقظة وحركة الارتعاش والموت وما أشبه ذلك . ولا كلام لنا في هذا القسم إذ لا إشكال فيه ، خصوصاً إذا كنت قد علمت بأن الإنسان ليس مكلفاً بالنسبة لشيء من تصرفاته وأوضاعه القسرية ، ولا يتعلق بها ثواب ولا عقاب .

القسم الثاني : مخلوقات اكتسابية يتصف بها الإنسان بكسبه وسعيه الاختياري ، كإقباله على الطعام والشراب والدراسة ، وكمختلف ما يختاره لنفسه من السلوك والأعمال ، وهذا ما يتعلق به الإشكال .

فاعلم أولاً ، أن أفعال الإنسان الاختيارية من جملة مخلوقات الله عز وجل ، فالله هو الذي يخلق فيك الإقبال على الدراسة والانصراف عنها ، وهو الذي يخلق فيك تصرفاتك كلها من طاعة وعصيان . ثبت ذلك بالدليل العقلي البين ، إذ لو لم يكن شيء من ذلك بخلق الله وقدرته لما اتصف إذاً بكل صفات الكمال ولكان ذلك بتأثير مستقل من غيره ، وهو محال على الله ، كما قد علمته سابقاً بالدليل النقلي القاطع ، وهو قوله عز وجل لَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)[الفرقان : 2] والفعل من جملة الأشياء بلا شك ، هذا ما عليه عامة أهل السنة والجماعة .

غير أن خلق الله لأفعالك لا يستلزم أن تكون مكرهاً عليها ، وليس بينهما أي تلازم إلا فيما يتوهم بعض الناس .

ذلك لأن تلبسك بفعل ما ، يتوقف على أمرين اثنين ، وجود هذا الفعل في الخارج (أي وجود مقوماته كلها المادية والمعنوية) ثم اكتسابك له عن طريق انبعاثك نحوه . فأنت مريد ومختار بوصفك كاسباً ومنبعثاً إليه ، لا بوصفك خالقاً وموجداً لمقوماته وعناصره .

وإيضاح ذلك بالبيان الحسي ، أن تقول : إن اليد وما فيها من حياة وشرايين وأعصاب ودماء ، وبما تتصف به بسبب كل ذلك من القدرة على الحركة ـ كل ذلك بخلق الله عز وجل ، والورق الذي أمامك في صورته وجوهره وخصائصه من خلق الله أيضاً ، والقابلية الموجودة في القلم للكتابة هو أيضاً من خلق الله عز وجل .

وتلاقي هذه العناصر كلها لتوجد خطأ مرقوماً على الورق ، لا شك أنه هو أيضاً بقدرة الله عز وجل وخلقه .

فهذا معنى قولنا : إن الله هو الخالق لفعل الإنسان .

ولكن هل يُنسب إليك أنك قد كتبت سطراً على الورق بمجرد تكامل هذه العناصر كلها؟ .. لا ، إن خالقيّة الله لهذه العناصر كلها لا تعني أنك قد كتبت . وهذا واضح جداً . لا بدَّ ، لكي توجد الكتابة منك ، أن تعزم في نفسك على الكتابة ، وأن تنبعث إرادتك إلى التنفيذ ، فحينئذ يأذن الله تعالى للقوة التي أودعها في يدك أن تلبي وللشرايين والأوردة أن تساعدك على قصدك ، وللحبر أن ينساب كما تشاء وللورق أن يتأثر بذلك على النحو التي تتحقق فوقه الكتابة . وعندئذ تسمى كاتباً وينسب إليك كسب هذا الفعل ، على الرغم من أن الله عز وجل هو الخالق له . أي فالقصد والعزيمة والكسب منك ( وذلك بسر الإرادة التي ركبها الله في نفسك) وخلق الفعل وأسبابه القريبة والبعيدة من الله تعالى . وإنما تكون المقاضاة والمحاسبة على القصد والكسب لا على خلق الوسائل والأسباب وخلق الفعل نفسه .

وهذه حقيقة نعلمها جميعاً في حياتنا الاجتماعية والقانونية ، فالمقاضاة إنما تكون على الكسب لا على جوهر الفعل المستقل بذاته . إن الذي يدعس بسيارته إنساناً فيقتله ، لا يُقاضى على الفعل ، لأنه ليس هو صاحب الفعل بالذات ، بل صاحب الفعل المباشر هو السيارة نفسها ، ولكنه يُقاضى على الكسب ، والذي جاء بالعمال فحفروا له في قارعة الطريق حوضاً أو بئراً ، لا يعاقب على إفساده للطريق العام لأنه هو الفعل ، بل لأنه هو الكاسب . والذي جاء بقارورة السم فوضعها في مكان قارورة الدواء التي إلى جانب المريض ، فتناول منها المريض فمات يُقاضى ويقاصص ، مع أنه ليس هو الفعل ، ولكنه الكاسب للفعل والمتلبس به .

والله عز وجل إنما يقاضي عباده ويحاسبهم ، على هذا الشيء الذي اسمه الكسب ، أي على الانبعاث النفسي إلى التلبس بالفعل ، ألا تلاحظ قوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا ...) [البقرة : 286] وقوله : (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [غافر : 17] إلى ما هنالك من الآيات الكثيرة الأخرى التي تنص على أن مناط الأجر والعقاب إنما هو كسب الإنسان أي انبعاثه نحو الشيء الذي أمر به أو نهي عنه . وإنما شاء الله أن يجعل خلقه وقدرته وفقاً لانبعاثاتهم ، حتى يكون ذلك بمثابة السجل الذي تثبت فيه هذه الانبعاثات مجسدة في مظهر الفعل الذي ظهرت فيه .

ولعلك تسأل بعد ذلك : ولكن الله يقول في كتابه : (.. وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [النحل : 9] ويقول : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس : 99] وفي القرآن آيات أخرى بهذا المعنى ، وهذا إنما يثبت أن إرادة الإنسان أسيرة في قبضة الله عز وجل .

والجواب أن هذه الآيات التي تعنيها ، ليست من بحثنا هذا في شيء وإنما هي توضح حقيقة مستقلة أخرى لا شك فيها ولا نزاع ، وهي أن الله عز وجل لو شاء لأمد الناس جميعاً بلطف من عنده يجعلهم يختارون الإيمان والانصياع للحق ، دون أن يستجيبوا لشيء من أهوائهم ورعوناتهم ، أو وساوس شياطينهم أو ينساقون إلى اليقين بالحق قسراً دون اختيار منهم . ولكنه لم يشأ ذلك ، بل شاء أن يضع الإنسان مختاراً بين واقعين يتجاذبانه وهما النفس بشهواتها والعقل بتدبيره ، كي يتجلى في طاعته لله معنى الجهاد والتكليف ، وإلا لما أحرز المجاهدون والمستقيمون على الطاعة أي أجر على جهادهم ، إذ لا جهاد حينئذٍ أصلاً .  هذا ما تعبر عنه هذه الآيات ، فما علاقة هذا المعنى بموضوعنا الذي أثبتناه من أن الإنسان مخير مريد ، بالنسبة للتصرفات الاختيارية؟

الإرادة الإنسانية خاضعة لألطاف الله ومقته :

ولكن ينبغي أن تعلم بعد هذا كله أن إرادتك التي بين جنبيك معرَّضة لتأثرات من ألطاف الله عز وجل وعقابه ، فربَّ إنسان لطف الله به فوفقه للرغبة في الخير والانبعاث نحو السبيل الحق . ورب إنسان حاق به عقاب الله في الدنيا فعميت إرادته إلا عن الشر ولم يتجه قصده إلا نحو أسباب الشقاء . غير أن سنّة الله في عباده جارية على أن يكون لذلك اللطف أسباب معينة يكتسبها الإنسان ، ولهذه العقوبة أسباب أخرى يتعرض لها الإنسان .

فمن عقد العزم منذ أول الطريق على أن لا يعاند الحق إذا رآه وأن لا يعطل عقله الذي وهبه الله إياه ، حتى إذا آمن بالله وأدرك أنه إله وهو عبد له ، أخذ يبسط يديه بالذل نحوه ويسأله مقبلاً عليه في دعاء منكسر واجف أن يعينه في أمره وأن يوفقه للتمسك بأحكامه ، وأن يضيف إلى طاقته عناية من رحمته ـ أدركته ألطاف الله ورعايته ، فيزيد إلى طاقته طاقة أخرى من توفيقه ويزيد إلى عقله عقلاً آخر من هدايته ، ويضع في إرادته معنى العزيمة والإصرار . وعن هؤلاء يقول الله عز وجل : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) [محمد : 17] ويقول : (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى...) [مريم : 76] ويقول : (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة : 16] ويقول : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) [يونس : 9] ويقول في الحديث القدسي : (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم))1 . والمهم أن تعلم أن الله عز وجل قد جعل من صدق اتجاه الإنسان إلى معرفة الحق ثم من مظاهر تذلـله لله ودعائه له ، عقلاً ثانياً يهبه إياه بالنسبة لإدراك ألوهية الله والانصياع إلى الحق الذي من ورائه.

أما من عقد العزم منذ أول الطريق على معاندة ما لا يرغب فيه من المبدأ والسلوك وإن كان حقاً في ذاته ، وأن يتصامم عن وحي العقل الذي في رأسه ، وأن لا يلبي إلا نداء شهواته وأهوائه ، ثم مضى يسلِّك نفسه في هذا الطريق طبق هذا العزم والتصميم مشعراً كل من يحاول أن يذكره بطرف من الحق الإلهي أنه مقرر سلفاً أن لا يفهم شيئاً مما يلقى إليه في هذا الباب ـ فإن سنّة الله جرت بالنسبة لهؤلاء أن يزج بهم في مزيد من الغواية والضلالات العقلية وأن يذيب إرادتهم فيما يضرم عليهم من سعير الشهوات والأهواء المتأججة ، وأن يبتليهم بمزيد من الانصراف عن موعظة المذكرين وآيات الله في العالمين . وعن هؤلاء يقول ربنا جل جلاله : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً)[الكهف : 57] ويقول : ((سأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف : 146] ويقول : (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) [البقرة : 26] ويقول : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[التوبة : 115] .

وهذه السنة الإلهية هي التفسير التطبيقي لقوله تعالى : (.. فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ...) [فاطر : 8] وقوله تعالى :(وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الرعد : 33] أي أن الله لا يعجزه شيء عن أن يقذف أسباب الهداية الجبرية في قلب أضل الكافرين والمارقين ، وأن يقذف أسباب الضلالة في قلب أصلح عباده المؤمنين . ولكنه سبحانه كتب على نفسه (تفضلاً منه وإحساناً) أن لا يضل من الناس إلا من تعرض لأسباب الغواية وصرف نفسه عن وسائل الهداية وأسبابها ، وأن يقرب أسباب الهداية والتوفيق لكل من عزم على استجابة أمر الله وتكاليفه ، وبسط يد العبودية نحوه يسأله العون والتأييد. بل رب خصلة من الأعمال الصالحة ، تبدر من غويّ فاجر ، في لحظة استيقظت فيها انسانيته وفطرته ، فتكون سبب هداية الله له ، وتكون عاملاً عظيماً في تحويل مجرى حياته .

ورب خصلة من القبائح العظيمة عند الله ، تبدر من رجل صالح ، يرتكبها غير مبال بها ، ثم لا يشعر بعدها بما يدعوه إلى التوبة عنها والندم على ما فعل ، فتكون سبب مقت الله له وعاملاً كبيراً في تحويل مجرى حياته هو الآخر. وهذا هو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : ((فوالذي نفسي بيده إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، والذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) [متفق عليه] .

وأخيراً ، فإنك قد تسمع ، بعد الذي ذكرته لك ، كلمات يرددها بعض المتصوفة اليوم ، تنقلها الكتب عن بعض المشهورين منهم : أن الإنسان لا يملك في الحقيقة شيئاً ، وأنه ليس إلا ريشة في الهواء ، فهو مسيَّر في كل شؤونه وأعماله في قبضة الحكم الإلهي . وأن هذا الذي نراه من ظواهر الناس وأحوالهم ليس كل ذلك إلا ظلالاً لقضاء الله تعالى : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال : 17] .

فاعلم أن هذا الكلام لا يستند إلى شيء من البراهين والعلم والخبر الإلهي الذي تكوَّن منه الشرع المطهر ، ولكنه يستند (عند الصالحين من هؤلاء) إلى أحوال تعتريهم من شدة التأمل في عظمة الله فيغرقون بسببب ذلك في حال من الدهشة والذهول عن أنفسهم ، تجعلهم ينطقون بهذه الكلمات . وهي في الحقيقة ليست تقريراً علمياً لما وصلت إليه عقولهم ولكنها وصف نفسي لهذه الدهشة التي تعترتهم وطافت بمشاعرهم . أما عند (آخرين منهم) فإنما يستند إلى مجرد التقليد والمحاكاة لهم . ولعمري إنَّ أولئك إن كانوا معذورين فيما قالوا بدافع من حالهم ، فإن هؤلاء ليسوا معذورين فيما يعتمدونه من مجرد المحاكاة لهم .

على أن الذين ارتفعوا عن مستوى الأحوال ، من كبار الصوفية رضي الله عنهم ، ما فاهوا بمثل هذا الكلام قط ، وما التزموا إلا ما دل عليه ظاهر النصوص ، وأثبته البرهان العلمي الذي أجمع على اتباعه عامة المسلمين ، ولم يَفُتْ هؤلاء رضي الله عنهم أن قول الله تعالى : (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) [الأنفال : 17] إنما يعني حادثة معينة بذاتها كانت من الخوارق التي أجراها الله على يد رسوله ، وذلك إذ أخذ حفنة من الحصباء ورماها في وجوه المشركين في غزوة حنين ، فتكاثرت في الجو حتى امتلأت بها أعين المشركين . فالآية تنبيه إلى هذه الحادثة التي ظهرت للأعين بمظهر الحفنة التي رماها النبي صلى الله عليه وسلم نحوهم ، وهي في الحقيقة ليست إلا خارقة أكرم الله بها ورسوله والمؤمنين . فأين هذا من عامة التصرفات التي مكن الله الإنسان منها بباعث الإرادة التي أودعها في نفوسهم؟ ..

1  ـ مع ملاحظة الفرق ، وهو أن الله يعلم طوية العبد ويعلم نا سيختاره بمحض إرادته .

2  ـ إيجاد الله لأفعال الناس لا يستلزم إجبارهم عليها ولا يعني سلب الاختيار عنهم ، وسيأتي بيان ذلك بعد قليل

1  ـ النووي على مسلم : 1 / 154 ـ 155 .

1  ـ رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه .

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة