الأفكار مجد أمة قادم

الأفكار هي المفتاح لتحريك العلم، ومنها تنطلق الأسئلة معلنة الثورة والخروج على كل ما هو معتاد ورتيب، وكلما تشعبت الأسئلة زادت الحيرة وزاد العلم. فالطالب في كلية الطب قبل محاضرة السكري ينظر إلى المرض على أنه مجرد زيادة السكر في الدم، وما إن يخرج من المحاضر حتى تنطلق في رأسه آلاف الأسئلة، مبدؤها الزيادة في العلم لتفتح له آفاقا جديدة من المعرفة. ومما يترافق مع زيادة العلم زيادة الحيرة، وهي للعاقل منطلق البحث للخروج من ضبابية المرحلة. 
ومشكلة الأفكار أنها عدو العادة، والعادة هي ما يركن إليها المجتمع وبها يسير، ولذلك فإن المجتمع عادة ما يكره الأفكار والتجديد، من مبدأ الخروج عما ما هو معتاد ومألوف، وقد يؤدي ذلك ـ بناء على المستوى الثقافي القائم ـ إلى كره التفكير كأداة والعمل كنتيجة، ويركن إلى الدعة والكمون، وكلما طالت فترة كمون أي مجتمع، كلما صعب عليه تقبل الجديد من الأفكار حتى يضيع المجتمع المفهوم الفعلي للفكرة، ويبدأ بخلطه بالبدعة وقد حصل. 

والمجتمع غير مثقف قد يخاف من تداخل الأفكار، صالحها وفاسدها، أو قد لا يستطيع التمييز بينها، فيقوم بمحاربتها جميعا، فيكون بذلك قد حارب عجلة التقدم من حيث لا يعلم وأوقف العلم، وبذلك تزول الحيرة وتتوقف الأسئلة خوفا، ويتوقف البحث ويعم المجتمع سكون الجهل، وهذا السكون ينشئ جزما داخليا بأن ما قام به من سديد العمل. 

وفي الطب، يقوم الجهاز المناعي بمحاربة البكتيريا والجراثيم والفيروسات حال دخولها جسم الإنسان، وهي وظيفة فعلية صحيحة، ولكن في المقابل إن احتاج المريض إلى نقل عضو، فإن العضو المنقول الجديد تتم محاربه من قبل الجهاز المناعي، وقد يتم القضاء عليه ما لم يعط مثبطات للمناعة من أجل أن يتعود الجسم على هذا الضيف الجديد. وفي المجتمع، فإني لا أعلم أجدر من المفكرين والمثقفين للقيام بهذا العمل، فعليهم واجب التمهيد والتسهيل وليس الاستعلاء والتقوقع في جحر النخبوية، بشرط ألا ينحازوا إلى أفكار سياسية حزبية أو حكومية لينادوا بها، وأن يكونوا واعين بما ينادوا به حقيقة لا ادعاء. 

(2) 

في الطب وعلى مستوى الكيمياء الحيوية، فإن تحول الجلوكوز إلى بايروفيت ومن ثم إلى اللاكتيت، والعكس صحيح، يتم في عدة تفاعلات سريعة ومتصلة ببعضها في تكوين إلهي خلاق، وما يميزها أنه ما إن يبدأ التفاعل الأول حتى تنساق التفاعلات التي تليه، ولك أن تستنتج نهاية التفاعل عند ابتدائه. 

وعندما نأخذ هذا التطبيق الجزيئي على مجتمع أمة لها جذور في قرون التاريخ، في استمرارية مستمدة من دين اعتنقه أوائلها، لينقلهم من الضياع في معامل الزمن إلى تغيير بوصلة الزمن باتجاه تاريخهم وحضارتهم ومستقبلهم، ولكن للأسف لم يعطنا هذا الدين ضمانا مسبقا في ديمومة هذا التصدر للأمم، بل قرن هذا العلو وهذا الشرف بالعلم والعمل والتطور، وهو من العدل الإلهي. 

فتركنا العلم والعمل، فضاعت هذه الأمة في فترات من التاريخ، وعندما أرادوا العودة أرادوها كما كانت في القدم بنفس الطريقة والأسلوب، ونسوا أن معامل الزمن قد تغير وأن الفطرة الكونية لا تقبل إعادة حقبتين من التاريخ متشابهتين ومتطابقتين في زمانين مختلفين، وتوقفوا عند فكرة أوائل الأمة ولم يستطيعوا الخروج من عباءتها بأفكار وطرق جديدة، ولم ينتبهوا إلى أن تغير الزمن يحتم عليهم التعامل بأدوات ذلك الزمن والتعاطي معه. 

قراءة التاريخ بتمعن، يجعلنا نفهم الحاضر ونتنبأ بالمستقبل أو الطريق لوصوله، وكما أنه يجعلنا نعي أن كل جيل يعيش نتيجة ما صنعه من كان قبله، وباختلاف ردة فعله للنتيجة، تكون مقدمات الجيل القادم في سلسلة من التفاعلات الاجتماعية المتلاحقة، ويجب أن نفهم أن كتب التاريخ قد تكون صماء من ناحية الوضع العاطفي والتفاعل الاجتماعي للحقبة المكتوب عنها، فهي تنقل الخبر مجردا، وقد ينقل الخبر بطريقة المؤلف وحسب ما تفاعل مع ما قرأ. ولذلك نحن بحاجة أن نستشف مستوى هذه العاطفة في المجتمع الذي نعيشه تجاه ما يحدث من أزمات لأنها محرك مهم للقرارات التي ستتخذ ـ إن كان في أمة، الغالبية هي من يقرر وليست الأقلية ـ رغم أن مدعي الفهم السياسي ينكرون ذلك!! 

قد يعاد التاريخ كنتيجة، ولكن الطريقة التي ستأتي بتلك النتيجة تختلف، لماذا؟ لأن الظروف تختلف ومعايير الأجيال تختلف والأدوات التي يتعاطى بها الأجيال تختلف، كما أن الأعداء يختلفون. من أجل ذلك نحتاج إلى فهم العدو، معرفة ما لدينا من أدوات وإدراك معاييرنا والعمل بما يوائم الظروف، لينشئ جيل النصر ويعيد الأمة إلى دائرة التاريخ وصدارة الزمن. 

الأفكار والتاريخ، طرفان يسيران في عكس الاتجاه من حيث المبدأ، فالأول بداية خيوط المستقبل في الحاضر، والثاني هو نهاية خيوط الماضي في الحاضر. فإذا قمنا بربط الخيوط ببعضها، فإننا سنحصل على حاضر مثمر لمستقبل، واعد ونكون قد استفدنا من تجربة السقوط في الماضي. 

بارقة أمل: مؤشرات الأمة في صعود وغبار الماضي سينكشف، ستعود أمتنا، ولكن لا يحق لنا أن نركن، لأننا نؤمن بأننا نمثل الحقيقة، يجب علينا العلم والعمل.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة