الآلهة المزيفة وإله الاسلام

ارسل لي احد الاخوة يقول بأنه مهتم بأمر الصحون الفضائية و يسألني عن رأي الاسلام فيها. و اهتمامه نابع من كون صديقه الفرنسي يؤمن بها ايمانا تاما كما ذكر له بعض الأدلة على وجودهم. هو مؤمن بأن المخلوقات الفضائية يراقبوننا طوال الوقت وساهموا في وجودنا، يقول بأن الملائكة المرسلين الى الانبياء هم بالحقيقة مخلوقات فضائية. حاول اخونا ان يثبت له بأن الله موجود و هو الذي خلقنا. لكن صديقه يقول بأنه يريد ادلة، و عندما ذكر له الاخ بعض المعجزات العلمية في القرآن لم يقتنع بها لذلك وعد الاخ أن يسأل عن رأي الاسلام في هذه المخلوقات.

ذكرت هذا المثال من قبل و اكرره. جاء رهط من الناس يسألون الرسول صلى الله عليه و سلم عن الاهلة (جمع هلال) كيف تتكون و لماذا تصغر و تكبر. فجاءهم الجواب "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج" على غير ما يشتهون اذ فسر لهم ما يفيدهم الهلال في امور دينهم دون ان يدخل في الحقيقة العلمية لما يجري، و هذا عين الصواب لأن القرآن لا يريد فتح حوارات جانبية و أخذ و رد في امور لم ينزل القرآن لها. القرآن نزل ليكون هدى و نورا للناس. و من هنا عليك ان تتوقع ان القرآن لن يخبرك على وجود مخلوقات فضائية و لو وجدت لأن هذا سيفتح جدلا طويلا بين المؤمنين و الكفار على امر لا يقدم و لا يؤخر في ايمانهم. قد يقول قائل و لكن الله اخبرنا عن وجود الجن و الملائكة مع ان معظم الناس لم يروهم و الجواب البديهي بأن الجن و الملائكة من صلب امور الدين فابليس كان من الجن و القرين من الجن و جبريل من الملائكة و الموكلون بحساب معاصينا و حسناتنا ملائكة. هذا لا يمنع باني قرأت اقوالا في امكانية وجود مخلوقات فضائية (دون جزم بذلك) مستندين على آية "ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير" اذ المعروف ان الدابة هو ما يدب على الارض من انسان او حيوان وكون هذه الدواب موجودة في السماوات كما هي على الارض فلربما كانت تعيش على كوكب ما. و نفى البعض الآخر هذه الامكانية مستندين على ان الرسول صلى الله عليه و سلم ارسل لجميع المخلوقات العاقلة المحددين بالإنس و الجن في القرآن فلو كان هناك جنس ثالث لوجب ان يبلغه رسالته ايضا. و انا شخصيا ارجح الرأي الثاني إذ حتى لو رأينا مخلوقات فضائية فما الذي يضمن لنا بأنهم ليسوا من الجن المتشكلين؟ نحن نعلم ان تحضير الارواح هو عمليا تحضير الجني القرين للميت و الذي يعيش اكثر منه و نعلم ان كل اعمال السحرة و الشعوذة هي من اعمال الجن كذلك فليس مستبعدا ان يتشكلوا بأي شكل يريدونه من حيوان او بشر او شكل مخلوق فضائي غير انهم في العادة يتجنبون التشكل لأن الشكل يحكمهم فلو ان احدهم تحول افعى و قتل البشري الافعى لمات الجني لأن قوانين حياة الافعى انطبقت عليه.

اما في خصوص قضية الايمان فاذكر له هذه القصة عن سيدنا ابراهيم عليه السلام:

فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين

انظر الى هذه الآيات الجميلة، طبعا سيدنا ابراهيم عليه السلام يستعملها ليحج المشركين وليس لأنه يبحث عن الايمان (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) و لكنه يطرح هذه القضية على سبيل التسليم الجدلي و هي طريقة معروفة بالرياضيات (نفترض بأن فكرة ما هي صحيحة ثم نصل الى استنتاج خاطىء يكون برهانا على ان الفكرة التي انطلقنا منها خاطئة). كنت افهم هذه الآيات على ان سيدنا ابراهيم عليه السلام اثبت لقومه أن القمر و الشمس لا يمكن ان يكونا آلهة لأنهم يذهبون و يأتون و الاله لا يتغير و فهمي كان صحيحا و لكن احد الاخوة بارك الله فيه سألني: و لكن ماذا لو كان القوم يعبدون اِشياء غير الشمس و القمر و ماذا لو كان يحبون الاشياء الأصغر و يرونها اكمل من الاكبر (افترض ابراهيم ان الشمس افضل من القمر لأنها اكبر) و ماذا لو كانوا يعتقدون ان افول الشمس ليس عيبا بحق الأله (يعتقد بعض الناس ان هناك اله للشر و اله للخير يتناوبون على حكم العالم)؟ هذه الآيات اكبر من مجرد نفي لالوهية الشمس و القمر و نفي الوهية الأشياء المتغيرة. انها كذلك نقض لطريقتهم في التفكير لأنه يعرف بأنه لا يستطيع هدايتهم اذا نفى لهم امكانية الوهية المخلوقات المتغيرة من حال الى حال فقط بل عليه نقد طريقة تفكيرهم اللامنطقية من الاساس. حاول سيدنا ابراهيم ان ينقض اتباعهم الهوى لأنهم اذا استمروا في اتباعهم له لما استقامت طريقة حياتهم في الشرائع و المعاملات و الامور الدنيوية حتى لو آمنوا بوجود الله. بكل اختصار سألهم على أي اساس تعبدون الشمس و القمر؟ ألأنه استهوتكم فكرة الضياء و النور؟ أو لأن الشمس كبيرة في السماء ؟ اي اله هذا الذي نختاره باهوائنا و خيالنا ؟ و ماذا لو عبدنا الابقار او النار او التماثيل؟ و ماذا لو عبدنا المخلوقات الفضائية كصاحبنا او ظننا ان الاابراج الصينية و ابراج ماغي فرح تتحكم بحياتنا؟ تقول الآية الكريمة "أرأيت من اتخذ إلهه هواه". قال ابن عباس بأن الرجل في الجاهلية كان يعبد الحجر الابيض فاذا رأى افضل منه انتقل الى عبادة الحجر الجديد. اذن بكل بساطة يجب ان تشرح لصديقك بأن الهوى لا يجب ان يكون مقياسا ابدا في اي امر و لا الظن و لا الشك ولا الوهم فكيف بأمر يتعلق بوجودنا على هذه الارض؟ قد يقول لك بأنه لا يعبدها و لكنه يظن بأنها ساهمت في وجودنا و هو نفس ما يقوله الوثنيون الذين يدعون ان الأصنام لم تخلقهم و لكنها رموز عن الآله تتشفع عنده لأننا لا نستطيع مخاطبته مباشرة و هذا كلام باطل صورته لهم اوهامهم. ان اعتقاد كون الملائكة مخلوقات فضائية لا يغير بجوهر الامر شيئا. من الذي خلق هذه الملائكة؟ من الذي خلق المخلوقات الفضائية؟ من الذي خلق الشمس و القمر؟ خالق هذه الاشياء هو الذي خلقنا و هو الله عز وجل.

الاعجاز العلمي في القرآن هو احد الوسائل الكثيرة لإقناع الناس بأن القرآن كتاب منزل و ليس من صنع البشر و لكن قبل ان تقنعه بأن القرآن كتاب الله عليك ان تقنعه بوجود الله قبلا و هذا ليس بالامر العسير ابدا، فلو قلت لك يا سامر ان برنامج الويندوز الذي استعمله نشأ من لا شيء و اني كنت اعمل على الدوس ذو الشاشة السوداء تحميل الويندوز فهل ستصدقني؟ بالطبع لا؟ فكيف بهذا الكون البديع المنظم المترامي الاطراف؟ كيف بهذا الانسان الذي يحار العلماء في فهم طريقة عمل خلية واحدة منه؟ كيف بهذه المخلوقات الفضائيةأمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين."انك لا تهدي من احببت". ولكن ثق بأنه ان كان يبحث عن الحقيقية فسيصل لها من تلقاء نفسه لأن الانسان و إن كذب على غيره فلا يستطيع ان يكذب على نفسه والنفس الباحثة عن الحقيقة تظل في شك و ضيق حتى تطمئن بالايمان. 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة