ازدواج المعايير في الصحافة

قال سعيد بن عروة: "لأن يكون لي نصف وجه، ونصف لسان على ما فيهما من قبح المنظر وعجز المخبر، أحب إلي من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين، وذا قولين مختلفين".

تذكرت هذه الكلمة وأنا ألاحظ ما يحصل من بعض الكتّاب في إعلامنا, من عدم الالتزام بمبدأ واضح في معالجة القضايا التي يناقشونها, فعندما يكون حديث أحدهم عن بعض الجهات التي لا تعجبه, يستخدم خطابا قاسيا يصل أحيانا إلى حد الخشونة، وتغيب عنه نظرة التفهم، واحترام الرأي الآخر, لدرجة تجعلك تظن وأنت تقرأ مقاله, أنك أمام شخصية مغرقة في الصرامة والدقة في تناول الأمور.

لكنك تفاجأ بعد أن تقرأ عدة مقالات لذات الكاتب, أن تلك الشخصية الحديدية تتحول في قضايا أخرى إلى شخصية متسامحة إلى حد الذوبان، متفهمة للخطايا فضلا عن الأخطاء، تتقبل الأعذار وتبحث عنها، وربما تصنعها إن لم تجدها.

تستغرب هذا التناقض، ويصعب عليك معرفة سببه حتى تكتشف أن الذي يحدد نوع تعاطي هذا الكاتب مع تلك القضايا هو جواب السؤال التالي:

هل الموضوع الذي يناقشه يتعلق بمن يرفضون المشروع الليبرالي أو التنويري كما يسمى, أو ممن ينساقون معه؟.

فهيئة الأمر بالمعروف على سبيل المثال، والقضاء الشرعي مذنبون عند هؤلاء حتى يثبت العكس، وقنوات الخلاعة والمجون، وبالضرورة كل من تتقاطع مصالحه مع مشروعهم على حق مهما فعلوا.

ولعل أقرب مثال على ذلك, الهجوم الإعلامي الذي شُن على الشيخ صالح اللحيدان عندما نقلت فتواه مبتورة، لتفهم على طريقة: "لا تقربوا الصلاة", وبالتالي هاج القوم وماجوا، وتتابعت مقالاتهم وتقاريرهم في التنديد بها، والتحذير من حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عنها!؛ بل وصل الحال ببعضهم أن يعطي دروسا للشيخ عبر الصحف في طريقة الإفتاء الصحيح!!

بعد أيام قلائل من تلك الغارة الشعواء نُشر عبر الإنترنت قصيدة أقل ما يمكن أن توصف به أنها فاحشة، وصل بها الفحش حد توظيف كلمات من القرآن الكريم، وعبارات لا تطلق إلا على الصحابة الكرام في التغزل بإحدى الممثلات، ثم تمادى كاتبها إلى حد تشبيه تلك الممثلة بالكعبة المشرفة، وهو يطوف على مفاتنها، في تعدٍ على مشاعر المسلمين بشكل وقح.

تناقلت خبر هذه القصيدة مئات المواقع على الشبكة وصُدم الكثيرون بها، إلا هؤلاء!، فلم تتحرك لهم شعرة، و لم يتمعر لهم وجه، ولم نر منهم تلك الغضبة المضرية التي رأيناها عندما تكلم الشيخ صالح اللحيدان عن قنوات الفساد؛ بل على العكس قابلوا الموضوع ببرود لا مثيل له.

ثم مرة أخرى وخلال أيام انتشرت أكذوبة جديدة, لكن هذه المرة على الشيخ محمد بن صالح المنجد, أنه أفتى بقتل الفأر الكرتوني ميكي ماوس، فتسابق بعض هؤلاء إلى استغلال الفرصة لتشريح الشيخ والتهكم عليه، حتى وصل الأمر إلى التعرض لأشياء لا علاقة لها بتلك الفتوى المكذوبة التي شهد بها أحدهم في مقال له وقال: "إن الشيخ قد قال بالنص: ميكي ماوس يجب أن يقتل!" هكذا!

ثم تبين بعد ذلك أن الخبر مكذوب، وأن الشيخ لم يفت بتلك الفتوى، وتناقلت الخبر وسائل الإعلام، وانكشف الكذب، فكان المفترض في ذلك الكاتب على الأقل, أن يعتذر للشيخ المنجد وللقراء عن ما بدر منه في ذلك المقال، لكنه لم يفعل.

وغابت مرة أخرى لغة احترام الآخرين ومشاعرهم، وحضرت لغة الاستعلاء!

هذه نماذج بسيطة لواقع يعج بالأمثلة لأقلام تكيل بمكيالين، وترى الشعرة، وتصور للناس أنها بصرت بما لم يبصروا به في عين، وتصاب بالعمى الكامل حتى لا ترى الجذع في عين أخرى, ثم بعد ذلك تمارس على غيرها أستاذية مصطنعة في الالتزام بالحيادية، والموضوعية والمهنية، مع أنها أبعد ما تكون عنها.

خلاصة القول أن القراء لم يعودوا يتقبلون كل ما ينشر دون تمحيص؛ بل أصبحوا يطالعون الأخبار من مصادر عدة ليتأكدوا من صحتها في زمن كثر فيه الكذب والتلفيق، وأدلجة الأخبار.

وبالتالي فإن الكاتب الذي يعتبر القراء مجرد متلقين لما يكتب, دون تمييز ونقد, يحكم على نفسه بالسقوط، ولو بقي ما بقي معتمدا على زاويته الصحفية, فالقراء قد شبوا عن الطوق، وأصبحوا يفرقون بين الكتابة الهادفة التي تحترم عقولهم، وبين تلك التي تبنى على معلومات مشوهة، وتكتب بطريقة استعلائية تنظر إلى القراء على أنهم لا يرون ولا يسمعون ولا يفكرون.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة