أهداف الرد على النصارى

قد يتبادر للذهن: أليس من الأفضل أن نركز على فهم ديننا بدل التركيز على المقارنة بينه وبين النصرانية. و لماذا النصرانية بالذات؟ لم لا نركز على الإلحاد؟ و لهذا عدة أجوبة:

هل المشرك بالله معذور؟

يقول الداعية المعروف الشيخ ديدات رحمه الله عن ظروف بدء دعوته بأنه كان غلاما يافعا في جنوب أفريقيا حيث الأغلبية نصرانية وكان المبشرون يترصدون له على الطريق ويسخرون من الإسلام و يسألونه عن شبهات الإسلام فيعجز عن الرد لذلك صمم على دراسة القرآن الكريم والكتاب المقدس حتى اتقنهما غيبا لدرجة أنه لم يعد بحاجة ليفتح الكتاب المقدس لمحاجة القساوسة. وكل من رأى افلام الشيخ ديدات يلاحظ قوة البرهان الذي يتمتع به وأسلوبه المتماسك.

و كما في حالة الشيخ ديدات رأيت أنه من الواجب علينا أن نخوض هذا المضمار اليوم أكثر من أي وقت مضى للهجمة الغربية الشرسة على الإسلام من جانب الغربيين تحت ستار الحرية مرة وتحت ستار "المسيحية الجديدة" حينا آخر. إن مقارنتي الإسلام بالنصرانية موجه بشكل أساسي إلى المسلمين الذين أخاف أن تفتنهم هذه الهجمة عن دينهم. لا أخاف عليهم الارتداد إلى النصرانية لأنها دين لا يدخل العقل ولكنني أخاف عليهم أن يشكوا في دينهم . كم من مسلم قال لي: "وما يدرينا أن ديننا صائب؟ كل شخص يعتقد بأن الصواب في دينه" أو يقول :"شاهدنا الكثير من المناقشات بين المسلمين والنصارى ولم أر أي نتيجة منها. وما ذنب النصراني الذي يؤمن بأن المسيح إله أن يعاقب؟ لو ولدنا نصارى لكنا مثله اليوم؟"

والفتيات هن أكثر من يسأل هذه الأسئلة إذ أن رقة قلوبهن تدفعهن إلى الشفقة على كل من يرونه إنسانا مخلصا ملتزما بالقواعد الأخلاقية حتى لو كان أساس دينه قائم على باطل. يا اخوان، من كمال عظمة الله تعالى إنه لا يحاسب من لم ينذره  (رغم أن الوهية البشر مرفوضة عقلا) "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا". فهذا الشخص سواء كان نصرانيا أو يهوديا (أو حتى مسلما بالهوية دون اعتقاد راسخ بالإسلام) وسمع بأن هناك دين اسمه الإسلام ينادي بما يناسب الفطرة البشرية و بآله واحد ليست له صفات البشر وسمع بالقرآن الكريم الذي يقول "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" ألا يجب عليه أن يتحرى قليلا؟ وأقول قليلا لأني اكتشفت أن معظم الغربيين لم يحاولوا حتى الاستعلام عن الإسلام واكتفوا بما يسمعوه من ال CNN عنه. كم مرة أخلى الغربيون أبنيتهم لوجود إنذار بوجود قنبلة؟ مع العلم بأنه في معظم الأحيان يكون الإنذار كاذبا فكيف بالحري لدين يقول بوجود جهنم أعدها الله لعصاته. لماذا لا ينظرون إلى ما يقوله الإسلام بتجرد؟ لماذ يعتبرونه دينا شيطانيا دون أن يفكروا لحظة واحدة بدراسته ولو لمدة ثلاثة ايام؟ لقد صادفت الكثير من النصارى الذين يدعون بأنهم درسوا الاسلام ولم يقتنعوا به ذلك بأنهم درسوه من المستشرقين الذي شوهوا هذا الدين. و هل يأخذ احدكم شهادة عن شخص معين من عدوه؟ حينما درست النصرانية لم اكتفِ بدراسة ما كتبه المسلمون عنها بل تأكدت من كلامهم عبر قراءة الأناجيل وعبر استشارة قساوسة و لاهوتيين (الانترنت لا يجعل هذا الأمر صعبا كما كان قبلا).

هل وجود جهنم يعتبر ظلما؟

من خلال حواري مع الغربيين لاحظت أنهم لا يطيقون سماع كلمة جهنم ويعتبرون أي دين يهدد بها ارهابيا وللأسف فإن بعض المسلمين (في الهوية) ينظرون إلى الأمر من نفس الزاوية. أما المسلم الحق فلا يجادل في هذه الأمور ولا في حكمتها " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" و يكتفي باثبات العدل لله "و ما ربك بظلام للعبيد". و تحضرني في هذا المجال الطرفة التالية التي قرأتها في الريدرز دايجست: " سأل غلام أباه أن يشتري له لعبة من زجاج فقال له الأب: و لكنها ستنكسر وستحزن عليها، فقال له الطفل: لا أبالي ، أريد هذه اللعبة، و تحت ضغط الإلحاح انصاع الوالد لطلب طفله فاشترى له اللعبة ثم حصل ما توقعه الأب وانكسرت اللعبة فبكي عليها الطفل بكاء مرا. قال الأب: ألم أقل لك لا تشترها لأنها ستنكسر؟ أجاب الطفل و هو يمسح دموعه: لماذا أصغيت لي؟ أنا مجرد طفل!!!". و لله المثل الأعلى فلا أرى المتشككين يفكرون إلا كهذا الطفل. لقد جاءتهم البينات وأعرضوا عنها مدعين أن الله لم يرسل أحدا ولم يخلق لا جنة ولا نارا فإذا سألتهم كيف بنوا اعتقادهم هذا أجابوك: "وهل من المعقول أن يعذبنا الله بالنار لمجرد أننا لم نسمع اوامره؟ إذن هو إله ظالم؟؟؟" فكانوا كهذا الطفل الذي لام أباه على كسر اللعبة بدل أن يلوم نفسه.  و هذا الطفل معذور لأنه طفل و نحن لسنا معذورين لأن الله أعطانا عقولا لنفكر بها لا لنضعها على الرف وكما في الحياة العادية حيث القانون لا يحمي المغفلين لن تحمينا غفلتنا عن غاية وجودنا من غضب الله تعالى. هذه الحياة امتحان لن يفلح فيه من تقاعس عن الدرس و لم يطع الله تعالى في أوامره و نواهيه ولن يفلح كذلك من جاوب أسئلة جميلة وبراقة ولكن خارج موضوع الامتحان. الدنيا امتحان يتساوى فيه اينشتاين مع الفقير الأغبر الأشعث وقد يفلح هذا الفقير ويرسب اينشتاين لأن الامتحان لن يكون بعلوم الذرة والنسبية بل بالتوحيد والإخلاص والعبادة فمن سئل عن محمد وأجاب "لا أدري كنت أقول فيه ما يقول عنه الناس" ضربته ملائكة العذاب بأعماله مهما عظمت عند الناس قائلة له "لا دريت و لا تليت". "والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب". نصيحتي إلى المسلمين وغير المسلمين هي نصيحتي إلى نفسي :"لا تشغلكم الدنيا فتنسوا خالقكم ولا يوسوس لكم الشيطان ليزين لكم أعمالكم، ما من أحد منا يضمن الجنة إلا بالإيمان والعمل ولا يدري أحد منا أي منقلب تنتهي إليه حياته وإن كان لا يعدو عن كونه أحد اثنين "أما جنة فيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على بال مخلوق" وأما "نار وقودها الناس و الحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم". والطريق الصحيح واضح وضوح الشمس ولكن المواظبة عليه صعبة. لا يغتر المؤمن بأفعاله كي لا يدخل النار كما دخل إبليس الذي كان يعبد الله مع الملائكة جراء غروره وكبره واعتراضه، ولا يحمل أحدكم الله مسؤولية إضلاله كما يحمّل التلميذ الفاشل أستاذه مسؤولية رسوبه في الامتحان ولله المثل الأعلى "الأسئلة واضحة وما من شي من خارج المنهج ومن درس سينجح ومن أخلص يفز ومن تقاعس واتبع هواه سيرسب"

هل أغوى الله إبليس؟

وفي هذا المجال تحضرني جملة من كتاب "القرآن والكتاب" لكاتبه الأستاذ يوسف الدرة و هو قسيس نصراني يستهجن كيف يضل الله إبليس و يغويه في القرآن "قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين" مردفا : أي آله هذا الذي يغوي عبيده؟

وفات حضرة الأستاذ أن الكلام على لسان إبليس، لم يقل الله بأنه أغوى إبليس بل إبليس ادعى هذا الأمر ليحمل الله مسؤولية اغوائه تماما كما يقول القائل من الضالين "وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين" انظروا هذا السخف في التفكير، سخف لدرجة أن الله عز وجل لم يتكلف الرد عليهم لأنهم أعلم بأنفسهم وأعلم بأنهم اختاروا الضلال عن قناعة وصموا آذانهم عن قناعة. اعتبر ابليس بأن الله أغواه حينما امتحنه هذا الامتحان الصعب الذي سيضع اخلاصه في العبادة على المحك، أغواه حينما خلقه قادرا على الطاعة والعصيان ولكن هذا الادعاء لن يغنيه أن يلقى في نار جهنم مع من اتبعه من الغاوين.

لماذا النصرانية؟

النصرانية هي الدين الوحيد الذي ينافس الاسلام كون اليهودية والهندوسية أديان عنصرية مغلقة على معتنقيها بينما لا تعتبر البوذية والكونفوشيوسية انفسها ديانات بل فلسفات أما المادية الإلحادية فالخوض معها بحث طويل لأنها ليس قائمة على إيمان بل على الشك و الملحد يتأرجح في اعتقاده حسب هواه بحيث يستحيل عمليا ان تجد ملحدا يحمل نفس عقيدة ملحد آخر مما يجعل الحوار مستحيلا مع جماعة منهم إذا لم تكن هذه الجماعة منضوية تحت إطار ثقافي موحد (مثل الشيوعية) يلزمها بمبادىء ثابتة.

وغايتي من هذه المقارنة أن أصل إلى خلاصة ثابتة يستطيع أن يقرأها أي مسلم يشك في صحة دينه وأي نصراني أيضا يبحث عن الحق، فإن كانت النتيجة لصالح الإسلام بشكل لا يبق أي مجال للشك وصلت إلى غرضي وأما إذا لم تكن حاسمة فهذا بحد ذاته مدعاة للنصراني أن يبحث كيف يصل دين مؤلف من قبل شخص كاذب كما يدعون الى درجة مساواة مع دين سماوي؟ وأنا واثق بأن اي شخص سيقرأ هذه المقارنة سيصل إلى احدى هاتين النتيجتين لأن الاحتمال الثالث القائل بتفاهة الإسلام وبكونه دين منقول عن النصرانية ادعاء باطل لن يجد أي اساس له عند البحث المجرد.

وبما أن الشيخ ديدات رحمه الله قد كتب في هذا الموضوع من قبل أحب ان انوه بأنه على رغم اسهاماته الجليلة في المقارنة بالغ كثيرا في الاعتماد على نصوص الكتاب المقدس ليثبت للنصارى ان محمدا صلى الله عليه و سلم مذكور في كتبهم أو أن المسيح لم يصلب أو لم بدع الألوهية فيما هو في غنى عن ذلك لأننا لسنا ملزمين بالأصل بتصديق كل ما ورد في كتبهم والشيخ ديدات رحمه الله يعرف هذا الأمر ولكنه أحب مع ذلك الخوض في تفسير الكتاب المقدس لأنه رأى ان النصارى ميالون لتصديق ما وجد في كتبهم أكثر من سائر الحجج. غير أن فتح هذا الباب سيحمل النصارى على الخوض في تفسير القرآن الكريم على أهوائهم وهذا ما لا نرضى به. لذلك دعونا نقيم المقارنة على الحقائق لا على الشبهات. وإن كانت الحلقات كثيرة ومتداخلة بحيث ينسى أحدكم الحقائق المذكورة والبراهين فإني أرجو أن يتسنى لي الوقت في نهاية هذا البحث أن اختصر هذه الحقائق ضمن ملف صغير يصلح ككتيب ليجادل المسلم الملتزم منكم أي مبشر حاول النيل من الدين الاسلامي الحنيف. وختاما فلنتذكر بأننا نتمنى الخير والهداية للناس أجمعين ولا نهدد من خالفنا في معتقداتنا بل نوضح له حقيقة ايماننا وله الخيار بعد ذلك وعليه تحمل تبعات هذا الخيار: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة