أصول مقترحة للمناظرة مع النصارى

في تحليله للنصرانية يحاول موقع حيران ان يكون متمايزا عن بقية المواقع:

1.                              معظم ما هو منشور على الانترنت جارح جدا في حق النصارى ولا يصلح نموذجا للحوار معهم بل لا يصلح حتى للقارىء المسلم، فالإنسان عادة لا يثق بالكلام المليء بالتهكمات و التجريح بل يفضل ما يخاطب العقل والمنطق. كلنا يرى آلاف الانتقادات للدين الإسلامي من الثقافة الغربية النصرانية وكلنا مدرك بأن مبعث هذه التجريحات هو البغض العميق الذي يكنونه لنا فإذا أردنا بهذه الردود رد الكيل لهم فلن نصل إلى أي نتيجة اللهم إلا التشفي وان كان بهدف دعوتهم إلى الإسلام فلا يصح أن يكون بهذه القسوة بل نتبع ما امرنا به الله "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين"

2.                              كثير من الحجج والبراهين تفتقد إلى المنطق وخاصة تلك التي تحاول البرهنة على عقائد المسلمين من مقاطع مأخوذة من الكتاب المقدس. ومنها على سبيل المثال محاولة الداعية الشيخ ديدات رحمه الله لإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم (دون أن يعني هذا التقليل من شأن جميع الجهود التي قام بها في مناظرة المبشرين)، ذلك إننا لا نعترف بكون هذا الكتاب المقدس هو الإنجيل الذي انزله الله على عيسى عليه السلام وبالتالي فأن أي استدلال منه هو بمثابة اعتراف منا بحجيته، وهذا يفتح الباب على أمور خطرة منها أن يعترف المسيحي بنبوة محمد (أو ينكرها بتفسير مغاير للمقطع المستدل به) ومن ثم يحاول إقناعنا بألوهية المسيح سندا للكتاب المقدس نفسه الذي احتججنا به كما انه يفتح الباب للنصارى أن يفسروا لنا القرآن على هواهم كما حاولنا تفسير كتابهم بما يوافق عقائدنا (وهذا ا يجري بالفعل). كما علينا أن نتذكر بأن الكتاب المقدس الحالي مفصل ليلاءم عقيدة النصرانية وحذف منه كل ما يمكن أن يشير إلى رسالة الإسلام لذلك فمحاولة الاستدلال به على رسالة الإسلام عبثية ويستحيل أن تكون قطعية. وفي ختام هذه الفقرة أحب أن أوضح أن هذا الأمر لا يمنعنا من الاستدلال ببعض المقاطع من هذا الكتاب على تناقضه أو على تكذيب ادعاء معين من قبلهم أو رد شبهة يعيروننا بها (مثل تعدد الزوجات، القصاص والحرب)

3.                              والخطأ الثالث هو مهاجمة كل عقيدة نصرانية ليست موجودة في الإسلام دون المبالاة بمحاولة فهمها من وجهة النظر النصرانية (مثال قضية تقديسهم للصليب كما سنرى فيما بعد)، فهذا يفتح الباب أيضا لأن يهاجم النصراني كل قضية إسلامية ليست موجودة في دينه وهذا حاصل بالفعل فها نحن نرى المبشرين (خاصة الغربيين) لا يتركون صغيرة ولا كبيرة من حياة محمد صلى الله عليه وسلم إلا وانتقدوها مدفوعين بحقد عميق على النبي الكريم حتى وصلت بهم المواصيل إلى اتهامه بالاعتداء على الأطفال كونه تزوج السيدة عائشة رضي الله عتها وهي في عمر التاسعة.

وانا إذ التزم بهذه القواعد الثلاث أصبو ألا ادع المجال للطرف الآخر في إدخالي في متاهة من الشتائم أو من التفسيرات المغلوطة للقرآن أو من الأكاذيب التي تشوه الإسلام. وكي لا يكون كلامي في الهواء سآخذ مقطعا من المقاطع الإسلامية التي تنتقد المسيحيين وأبين نقاط الخطأ فيها وكيفية إمكانية استغلالها من المسيحيين مقترحا في الوقت نفسه الرد البديل المتناسب مع القواعد الثلاث التي وضعتها.

حول الأمانة الكبرى وقفة مع العقل
لقد جاء في الأمانة الكبرى التي هي الركن الركين في العقيدة النصرانية: إن الأب يعني الله صانع الكل لما يرى وما لا يرى وجاء فيها إن الابن يعني عيسى خالق كل شيء فإذا كان الله صانع كل شيء فما الذي خلقه عيسى؟ وإذا كان عيسى خالق كل شيء فما الذي خلقه الله؟ انه التناقض العجيب الذي تذهل منه العقول وكيف يكون عيسى قديم لا أولية لوجوده مع انه عندهم هو ابن الله والابن لابد من أن يكون أبوه أقدم منه؟ وهل يوجد الابن مع الأب وكيف؟!! وإذا كان المسيح هو الله بعينه فكيف يكون ابن وفي نفس الوقت هو أب؟ وإذا كان المسيح غير الله فلماذا يحتمل خطيئة لم يفعلها هو؟ ألا يعتبر هذا ظلم من الخالق؟ ثم الم يكن من العدل أن يحيي الله ادم ثم يجعله يصلب ليتحمل عقوبة خطيئته؟
ثم أما كان الله قادرا على مغفرة ذنب ادم دون الحاجة إلى تلك الخرافات المضحكة، ثم ما ذنب البشرية الذين دخلوا في سجن إبليس قبل صلب المسيح في شيء لم يفعلوه؟ ثم إذا كان الذي صلب (الله) صلب عن طيب خاطر كما يقولون فلماذا كان يصيح ويستغيث؟ وهل يكون إلها من يصيح ويستغيث ولا يستطيع تخليص نفسه من أعدائه ومخالفيه؟.
ثم لماذا يستحق الصليب هذا التعظيم والعبادة ولا يستحق الإهانة لأنه كان الاداة في صلب إلهكم كما تزعمون (علما إن السيد المسيح عند رجوعه قبل قيام الساعة كما اخبر القران والحديث أول ما يفعله هو تكسير الصليب والدعوة إلى الإسلام) فان قلتم لأنه لامس جسد المسيح، قلنا لكم صليب واحد لمس جسد المسيح؟ وهل ملايين الصلبان الحديدية التي تصنعونها اليوم لمست جسد المسيح؟ وإذا كانت الأمانة التي هي جوهر عقيدتكم تنص على أن الإله مات ثلاثة أيام فمن الذي أحياه بعد ذلك؟ وإذا كان المسيح بيده أرزاق العالم فمن تولى شؤون العالم خلال مدة موته؟ انه يوجد لدينا العديد من الأسئلة لا يجاب عنها إلا بالفرار منها والغاء العقل نهائيا ولنا سؤال أخير هل اليهود صلبوا الرب برضاه أم بغير رضاه؟ فان كان برضاه فيجب أن تشكروهم لأنهم فعلوا ما يرضي الرب، وان كان صلبوه بغير رضاه فاعبدوهم لأنهم غلبوا الرب وصاروا أقوى منه لان القوي أحق بالعبادة من الضعيف.

لقد وقع الكاتب في خطأ تناول العقيدة النصرانية من مفهوم إسلامي أو من فهمه الحرفي للكلمات فبنوة المسيح بنظر النصارى هي روحية وليست مادية وبالتالي لا يمكن استعمال التقرير القائل "الأب أقدم من الابن" لأن هذا ينطبق على العلاقات المادية والنصارى لم يدعوا بأن الله  "أنجب"  يسوع. بنظر النصارى "يسوع" هو اقنوم من الاقانيم الثلاث التي تؤلف الذات الإلهية فهو ليس منفصلا عن الله. ومن هذا الباب يمكن أيضا فهم ولادة و موت المسيح عندهم فليست الولادة خلقا للمسيح أنما هي حلوله في الجسد وموته هو خلاصه من الجسد وعودته إلى الذات الإلهية التي يشكل اقنوما منها. ولذلك فموته لا يعني عندهم انعدام وجوده بل هو الانتقال إلى السماء. هذا ما يقوله النصارى وفيه رد واف على حجة الكاتب المسلم . وأمام هذا الرد يتضح لنا أن عقيدة النصارى على بطلانها ليست بهذه البساطة بحيث يمكن تفنيدها كيفما اتفق. ينبغي دائما الانتباه إلى عدم الانجرار في مجادلتهم بكل ما يخطر على بالنا بل علينا أن نتقيد بما نص عليه القرآن الكريم. بالاستقراء لم يدخل القرآن الكريم معهم في عقيدة التثليث مناقشة فلسفية أو منطقية بل ركز على أن هذا الأمر أمر خطير يتنافى مع الحقيقة (فهو اله واحد احد) وإنهم يقولون ما ليس لهم به علم ذلك أن القرآن الكريم لا يريد منا الانجرار معهم في مناقشة في قضية تتعلق بالذات الإلهية لأنه يعلم أن المنطق لا يسعف الإنسان في الغيبيات ونحن اعجز من أن نفهم الذات الإلهية ونخوض فيها لا بل نحن عاجزون حتى عن فهم الروح التي تسكن بين اضلعنا. لدى مناقشة التثليث مناقشة منطقية قد يقول المسلم "الواحد لا يمكن أن يصبح ثلاثة" فيجيب النصراني "هذا في عالمنا الحالي أما في حق الله فيجوز"  فهنا إذا استمر المسلم في المناقشة في نفس الموضوع كما حاول كاتبنا فلن يصل إلى نتيجة ولكن إن توقف وقال:  "نحن لا نخوض في ذات الله ولا نقحم عقولنا في ما لا تستطيع استيعابه " كان منسجما مع المنطق والدين فحاشا لله أن يأمرنا بان نعتقد ما لا يستطيع العقل أن يفهمه وحاشا لله على أن يكلفنا ما لا طاقة لنا به. هذا ما يطلبه منا الإسلام "تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذات الله".  وفي الموقف المبدأي الذي نتخذه من قضية التثليث و الاقانيم حجة بالغة ليس على النصارى وحدهم بل على أي فلسفة تخوض في الذات الإلهية مثل فلسفات الإغريق. على أن قضية التثليث ليست مبنية فقط على الخوض في الذات الإلهية وتشريحها إلى ثلاث أقانيم بل هي تتضمن تأليه البشر كذلك (المسيح) وهذه قضية يمكن دحضها بالمنطق لأن فيها تناقضا واضحا لمفهوم الإله وهي ليست قضية غيبية محضة مثل قضية الاقانيم بل هي مرتبطة بعالم المخلوقات فالمسيح بشر وجد في زمان ومكان معين وكان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وهذا متناقض مع تعريف الإله الذي لا يحتاج إلى شيء فالقضية هنا مرفوضة عقلا وتدخل من باب اجتماع النقيضين وعلى عكس قضية الاقانيم لا يستطيع النصراني الهروب منها إلا بقوله "نحن نؤمن بهذا الأمر ولا نستطيع تفسيره بالعقل".

أما الخطأ الثاني فهو في استعمال مفردات وعبارات بقصد منها السخرية من معتقداتهم كقوله "خرافات مضحكة"  في حين ليس في الأمر ما يضحك بل ربما فيه ما يبكي "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا(88)لقد جئتم شيئا إدا(89)تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا(90)أن دعوا للرحمن ولدا"  فأنا أفضل أن نتكلم بقدر من المسؤولية والجدية في هذا الموضوع ونبين للنصارى إننا نرى بأن ما يعتقدوه خطير جدا ولا يرضي الله الذي نؤمن به سوية. وعلينا ألا ننسى أن وصف المعتقدات الدينية بالأساطير المضحكة هو وصف الملحدين والشيوعيين للمعتقدات الإسلامية والنصرانية على السواء.

والقضية الثالثة هي عدم ضرورة انتقادهم في كل ما يقومون به وخاصة في مجال الحوار معهم، فإذا نظرنا لقضية تقديسهم للصليب فسنرى بأنه أمر يمكنهم الدفاع عنه بسهولة فهو مجرد رمز كالكعبة عندنا أو الحجر الأسود. يتهمنا بعض المبشرين بأننا نعبد الكعبة في حين إننا نعتبرها مكانا مقدسا فحسب ومن نفس الباب لا نستطيع اتهام المسيحيين بعبادة الصليب لمجرد اعتباره رمزا دينيا. الصليب يرمز عندهم لفداء المسيح للبشرية وهذا هو السبب الذي يبعثهم على تكريمه لا على احتقاره كما يطلب الكاتب. لذلك لا أرى أهمية التركيز على هذه الشكليات التي قد تدخلنا أيضا في متاهات معاني العبادات. مشكلتنا مع النصراني ليست بتزينه بالصليب بل هي عقائدية في المقام الأول وقضية الصليب مترتبة على العقيدة فإذا حلت مشكلة العقيدة حلت تلقائيا بقية المظاهر المنبثقة عنها.

إما القضية التي تستحق الاهتمام من كلام الكاتب فهي سؤاله عن صلب اليهود للمسيح هل كان بإرادة الرب أم لا، أي نصراني سيجيب بأن هذا حصل من ضمن إرادة الرب بالطبع ولكنه فعل ذلك ليفدي البشرية. وبالقطع فإن قضية التجسد والفداء هي محور العقيدة النصرانية وهي تحتاج لحلقة خاصة بها إذ لا يمكن تناولها بنفس التبسيط الذي قام به الكاتب. وعسى الله أن يوفقنا لتناولها في الحلقة القادمة.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة